الرسوم الجمركية والانقلاب على اتفاقية التجارة الحرة

نبض البلد -

د. غازي إبراهيم العساف

في واحدة من أغرب السياسات الاقتصادية التي تُواصل الإدارة الأمريكية الجديدة انتهاجها تم فرض رسوم جمركية بنسبة 20٪ على الواردات من الأردن، فبالرغم من أنّ الأردن هي من أوائل الدول العربية التي أبرَمت اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي مضى عليها قرابة الـ 24 عاماً، حيث أفضت هذه الاتفاقية الى زيادة مُطّردة في حجم التبادُل التجاري بين البلدين تضاعفت على إثرها لتصل في عام 2024 إلى حوالي 5.4 مليار دولار منها 3.4 مليار دولار صادرات أردنية و2 مليار دولار مستوردات أمريكية، وهذا يعني أنّ الميزان التجاري إيجابي لصالح الأردن، وهو المؤشر الأول على أهمية وجدوى هذه الاتفاقية وما أسّست له من منافع بدأت تجنيها الصناعات الأردنية بمُختلف قطاعاتها.

بداية لابدّ من الإشارة الى أنّ هذا القرار يُمثّل انتهاكاً واضحاً لاتفاقية التجارة الحرة بين البلدين والتي تنصّ في المادة 2-4 على حظر "استحداث رسم جمركي أو قيد كمي على الواردات" من الطرف الآخر. كما أنُّ مجمل بنود هذه الاتفاقية الأخرى تنصُّ صراحة على إلغاء الرسوم الجمركية بين البلدين وبشكل تدريجي "وهذا ما تم بالفعل خلال العقدين الماضيين"، وبالتالي فإنّ أي تغيير على شروط هذه الاتفاقية يتطلب إعادة التفاوض أولاً أو التقدّم بشكوى لدى منظمة التجارة العالمية أو غيرها من السياسات الحمائية الأخرى.

ولتحديد الأثر التقريبي المُباشر لمثل هذه السياسة فيمكن هُنا الاعتماد على نموذج المُضاعف ومرونات الطلب السعرية لمُختلف السلع التي يتم تصديرها للولايات المتحدة الأمريكية، وبعملية حسابية بسيطة يُمكن القول بأنّ ارتفاع أسعار المنتجات الأردنية التي تدخل أسواق الولايات المتحدة الأمريكية بواقع 20٪ (نتيجة الرسوم الجمركية الجديدة) سيؤدي الى انخفاض الكميات المطلوبة منها بنسب تتراوح بين 24٪-30٪ الأمر الذي يعني خسارة مُحتملة في قيمة الصادرات تتراوح بين 800-1000 مليون دولار سنوياً، وهذا يعني ضغوط إضافية على ميزان المدفوعات الأردني، وكذلك تراجعاً في حجم الاستثمارات الأجنبية في تلك القطاعات التصديرية المستفيدة من الإعفاءات التي قدمتها اتفاقية التجارة الحرة.

وبنظرة أخرى سريعة على بعض الأرقام المُتاحة حول هيكل التجارة بين البلدين، يُمكن القول بأنّ مثل هذا القرار من المتوقع أن يكون له ارتدادات قد تطال عدد من القطاعات الاقتصادية وبنسب متفاوتة. فقطاع المنسوجات والملابس سيكون الأكثر تضرراً، إذ يمثل حوالي 38٪ من صادرات الأردن الى السوق الأمريكي، مع توقعات بخسائر قد تصل الى حوالي 300 مليون دولار سنوياً. في حين سيتأثر قطاع المنتجات الكيماوية والأسمدة بشكل أقل حدّة نظراً لانخفاض مرونة الطلب عليها. في المقابل من المتوقع أن تفقد المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ) ما تتمتع به من ميزة تنافسية كانت تمكّنها من الدخول إلى الأسواق الأمريكية من خلال الاستفادة من الإعفاءات الجمركية وهي بالمناسبة تُشغّل حوالي 40 ألف عامل أردني وتتوزع في 13 منطقة صناعية. إنّ هذا التراجع المتوقع للصادرات الى الولايات المتحدة الأمريكية من قبل القطاعات التصديرية المختلفة وما توظفه من عمالة في أغلبها أردنية سيؤدي أيضاً الى خلق ضغوط إضافية على معدلات البطالة في الاقتصاد.
من المُهم هنا أيضاً الإشارة الى أثر " تحويل التجارة" (Trade Diversion) والذي من المُتوقع ان تُحدثه هذه الرسوم الجمركية على المدى المتوسط والبعيد، إذ يُعد أحد أهم المفاهيم الأساسية في نظرية التجارة الدولية، والذي يعني أنه ونتيجة لمثل هذه السياسات فإنّ المنتجات الأردنية ستفقد ميزتها التنافسية في السوق الأمريكي لصالح مُنتجات دول أخرى تتمتّع بميزات تجارية أخرى ولم تخضع لنفس مستوى الرسوم الجمركية، بخاصّة في قطاع المنسوجات والملابس، إذ يُعتبر هذا التحويل في مسارات التجارة أثر اقتصادي خطير له عواقبُه المستقبليّة على حجم الاستثمارات والتشغيل.

من الواضح بأنّ ما يحدُث اليوم يُشكّل تحدياً اقتصادياً كبيراً للأردن يتطلب استجابة سريعة وفعّالة من الحكومة الأردنية والقطاعات الاقتصادية المُتأثرة، وهذا يُمكن أن يتم بالبدء فوراً في خطوات سريعة نحو مزيد من تنويع الأسواق التصديرية نحو الاتحاد الأوروبي ودول الخليج ودول آسيا، فتنويع الشركاء التجاريين للدولة هو أحد أهم عناصر بناء القوة الاقتصادية للدول. إضافة الى ضرورة دعم القطاعات المُتضررة بتقديم مزيد من الإعفاءات الضريبية والمزايا الأخرى إضافة الى فتح باب التفاوض مع الجانب الأمريكي للحصول على بعض الاستثناءات لبعض المنتجات وكذلك السماح بفترات انتقالية لتطبيق الرسوم.