كيف تحوَّل فستان لأداة ابتزاز؟ فخ رقمي قد يُنهي حياة فتاة

نبض البلد -

د. دانا خليل الشلول
في زمن الاتصالات الرقمية، أصبح الابتزاز الإلكتروني كابوساً يهدد حياة الأفراد، محولاً الخصوصية إلى أداة للتدمير، فقد يكون الخطأ بداية مأساة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يجب أن تكون النهاية خسارة كاملة للحياة والمستقبل؟ هذه الظاهرة تضع الضحايا أمام مفترق طرق صعب، حيث يواجهون تبعات قد تتجاوز حدود الواقع الافتراضي إلى حياتهم الفعلية.
هنا، وفي إحدى القصص المؤلمة التي تندرج تحت هذه الظاهرة، تواجه فتاة عشرينية كابوساً من الابتزاز بعد أن تم تصويرها سراً من قبل شابٍ زميلٍ لها في الجامعة، لتكون أمام خيار صعب يضعها في صراعٍ لا ينتهي بين الخضوع لمطالبه أو مواجهة التهديد بنشر الصور والفيديوهات التي تُظهرها أثناء تجربتها للملابس، بدأت قصة هذه الفتاة بعد طلاقها الذي جاء بعد زواجٍ دام لسنواتٍ قليلة؛ حيث تزوجت في سن الـ (17) من عمرها وأكملت تعليمها الثانوي، لكنها لم تكمل تعليمها الجامعي إلا بعد طلاقها، حيث قررت العودة إلى مقاعد الدراسة، وهنا بدأت قصتها؛ حيث تعرّفت على زميلٍ لها استدرجها بكلماته المعسولة وادّعائه الحب، وكانت لقاءاتهما تقتصر على الدراسة والأحاديث العادية في الأماكن العامة، ليبدأ مسار العلاقة بالتغيّر تدريجيّاً عندما طلب منها زيارته في منزله لمشاهدة فيلم كوميدي؛ بحجة رغبته بالجلوس بهدوء بعيداً عن الصخب وتدخل الناس وخوفها من أن يراها أحد من معارفهم خاصةً وأنها مطلقة وتخشى من حديث الناس عنها، لتبدأ من هنا انعطافات ومأساة قصتها؛ حيث قدّم لها ملابس جديدة وفساتين كهديّة وطلب منها تجربتها خلال زيارتها له وتواجدها في منزله، لتقوم بتلبية رغبته بتجربة الملابس، ولم يحدث أي شيء آخر في تلك الزيارة وشاهدا الفلم الذي دعاها لأجله بشكلٍ اعتيادي.
وبعد أيامٍ قليلة من زيارتها، تفاجأت بتلقيها مقطع فيديو تم تصويره لها خلسةً لها أثناء تجربة الملابس، مهدداً بنشره إذا لم تستجب لمطالبه؛ ليقول لها بالحرف الواحد "يا بتعملي اللي بدي اياه منك يا إما بفضحك"، وهنا اضطرت للخضوع لتهديده دون تفكيرٍ بالعواقب، لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحدّ؛ فقد استمر في استدراجها وتصويرها بلقطات ومقاطع جديدة في كل زيارةٍ لها لمنزل زميلها ليبقى له ما يبتزها به باستمرار بما يُثبت تورطها بشكلٍ متكرر، وعند هذه النقطة، تفاقمت الأزمة عندما راودت الفتاة مخاوف من احتمال حملها، الأمر الذي أدخلها في حيرة كبيرة، بين التفكير في اللجوء لشخص مقرب من محيط معارفها لتهديد المُبتز واسترجاع المواد المصوّرة بالقوّة، والتخلص من الحمل بأي شكلٍ في حال حدوثه، أو اللجوء للشرطة ليتعاملوا معه كما يجب لتأخذ حمايتها بشكلٍ قانوني، لكن تراودها مخاوف كبيرة من أن يصل الأمر إلى أهلها خاصةً إذا كان هناك حمل من الجاني، وعبرت عن هذا بكلامها " بخاف حبال الشرطة تكون طويلة ويكون بيّن حملي قبل ما أتصرف ونلحق ناخد ضده إجراء قانوني، لو أهلي عرفوا ليذبحوني، أو يتحفظوا علي حماية الأسرة وهيك هيك أهلي رح يعرفوا ويذبحوني بيوم من الأيام ما رح يتحفظوا علي طول العمر."، والآن ما زالت هذه الفتاة حتى هذه اللحظة تبحث عن حلّ لهذه المعضلة، في دوامةٍ من الصراع لخياراتها التي ترى أحلاها مراراً، مع إدراكها أن هذه المستمسكات الرقمية تمثل تهديداً خطيراً، حيث يمكن للشخص المحتفظ بها أن يحتفظ بنسخٍ عديدة منها بسهولة وبعدة طرق وعلى أجهزة تخزين متنوّعة.
وختمت الفتاة قصتها قائلة " أنا بعرف غلطي وبعرف إني عصيت ربنا وبستاهل اللي بصيرلي، ومابعرف شو رح تكون نهايتي، وكتير بفكر إني أنتحر وأنهي حياتي بس ما بدي أعصي ربنا بكمان كبيرة من الكبائر وما يكون إلي مصير غير جهنم وأضيع آخر فرصة أتوب فيها لربنا، بتمنى أكون أخدت عقابي بالدنيا وربنا يرحمني ويسامحني."، حيث تصف الفتاة ما يحدث معها بالكابوس الذي لا يُفارقها ويحرمها من الاستقرار والعيش بشكلٍ طبيعي فالجميع يلاحظ عدم استقرارها واتزانها، وعبرت عن شعورها بكلمات مرتجفة " أنا مصيري مجهول وما بعرف إذا رح يوقف معي ربنا رغم غلطي ويساعدني، بس بدي قصتي توصل لكل بنت عشان ما تغلط غلطتي وتوصل لهون وتتمنى الموت، وتكون تحت رحمة حد ما بخاف ربنا، بدي قصتي تكون عبرة لكل بنت."
وفيما يتعلق بالأذى النفسي الذي قد يلحق بالضحايا عند التعرّض لمثل هذا النوع من الابتزاز والتهديد؛ فإنَّ هذا السلوك يأتي ضمن مصطلح "العنف الجنسي والنفسي"، ويندرج تحته ما يُسمى بالاستغلال النفسي سواء كان على أرض الواقع أو الإنترنت، وهذا ينتج عنه تهديد للفتاة بنشر صور ومقاطع فيديو حساسة خاصة بها لفضحها أما المجتمع وعلى الإنترنت، أو حتى أمام أهلها ومحيطها الضيّق؛ وهنا ينشأ قلق وخوف شديدين خشيةً من أن يُنفّذ الجاني تهديده، بحسب الأخصائي والخبير النفسي الدكتور فؤاد رضوان.
وتابع رضوان : يستمر تأثير هذا الأذى والضرر النفسي لما يُسمى بـ "اضطراب الضغط الحاد"، والذي يتطور لاحقاً لـ "اضطراب ما بعد الصدمة"، فهذان الاضطرابان مترابطان؛ حيث يلحقهما فقدان الشغف والاستمتاع باللحظة الحالية والأيام التي يعيشها، وتبقى ملازمة للضحية حتى تنتهي المشكلة ويتوقف التهديد، وقد أكد رضوان بأنَّ هذه التبعات النفسيّة يصاحبها اضطرابات في الأكل والنوم، وفقدان وزن، ووحدة وعزلة وتجنب المناسبات الاجتماعيّة، بالإضافة لاختلال في التحصيل الدراسي في حال كانت الضحيّة على مقاعد الدراسة، أو خلل في الأداء الوظيفي إذا كانت موظفة في مكانٍ ما، أو حتى تغيّبها عن أماكن العمل والدراسة، وغيرها من أعراض تدل على تشتيت الانتباه وانعدام التركيز.
فيما أكد رضوان أنَّ تأثير هذه الأعراض والتهديدات قد يستمر مع الفتاة ويلاحقها ليؤدّي بها للانتحار، منوّهاً إلى أنَّ الضحيّة بعد انتهاء المشكلة والابتزاز والتهديدات قد تطالها تأثيرات أخرى، فمن المحتمل أن لا تنتهي القصة هنا؛ حيث يمكن أن يُصيب الفتاة ما يسمى بـ "تعميم التجربة والخبرة"، لتبدأ بإطلاق أحكام مسبقة على الآخرين خاصة على الرجال، لتعتقد أن جميعهم مؤذيين ويسعون للفضيحة، كما قد يُرافقها جلد للذات لفترات طويلة لاقترافها لهذا السلوك، وخيانتها للثقة التي مُنحت لها من أهلها، واقترافها لهذا الخطأ.
وختم رضوان حديثه قائلاً "إنَّ هذه التأثيرات بعضها آني وتزول مباشرةً بزوال الحدث، وبعضها قد يستمر مع الضحيّة لفترات طويلة قد تمتد لسنوات، وهنا يكون من الضروري أن تلجأ لعلاج نفسي يساعدها ألا تبقى هذه الصدمات عالقة في ذاكرتها وتؤثّر على حياتها، لتتمكن من العودة لشخصيّتها المعتادة."
أما من الناحية القانونية، قال الأستاذ المساعد في القانون الجنائي والجرائم الإلكترونية ، الدكتور أشرف الراعي، "تُعد جريمة هتك العرض عبر الوسائط الإلكترونية من أخطر الجرائم الرقمية التي تهدد القيم الاجتماعية والأمن الإنساني، إذ تمس الحرمة الجسدية والمعنوية للضحايا، وتضاعف من الأثر النفسي والاجتماعي بسبب سرعة انتشار الأدلة الرقمية وصعوبة السيطرة عليها، وقد أدرك المشرّع الأردني هذه الخطورة، فنص في المادة (26) من قانون الجرائم الإلكترونية على أن كل جريمة معاقب عليها في التشريعات النافذة إذا ارتُكبت باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي نظام إلكتروني، فإن العقوبة المقررة لها في القوانين الأصلية تطبق بذات العقوبة، وهو ما يضمن شمول جرائم هتك العرض عند ارتكابها بالوسائل الإلكترونية”.
وتابع الراعي "أما جريمة الابتزاز الإلكتروني، فقد نص عليها المشرّع الأردني بالمادة (18) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني لما لها من طبيعة خاصة تقوم على استغلال ضعف الضحية أو تهديدها بفضح أسرارها أو تشويه سمعتها عبر المنصات الرقمية، ولذا فقد شدد القانون العقوبة لتصل إلى الأشغال المؤقتة في حال اقترن التهديد بإسناد أمور خادشة للشرف أو بطلبٍ غير مشروع".
وبيّن الراعي هذه المعالجة التشريعية تؤكد أن التشريع الأردني حرص على سد الثغرات القانونية التي قد تستغلها الجريمة الإلكترونية، لكنها في الوقت ذاته تطرح تحديات عملية في الإثبات والتحقيق تقتضي تطوير أدوات الخبرة الفنية، ولا شك أن مواجهة هذه الجرائم تتطلب تكاملًا بين الردع التشريعي والتأهيل المجتمعي، لتبقى المنظومة القانونية قادرة على حماية الأفراد وصون الكرامة الإنسانية في العالم الرقمي".