الأنباط ليسوا كنزاً منسياً..

نبض البلد -

أحمد الضرابعة

تستعد المملكة العربية السعودية لإطلاق فيلم بالتعاون مع منصة ناشيونال جيوغرافيك العالمية بعنوان: "كنوز الجزيرة العربية المنسية: مملكة الأنباط". رغم أن السعوديين مشغولون بتحقيق رؤيتهم المستقبلية 2030، إلا أنهم لم يقطعوا الصلة بالتاريخ، بل يعيدون تقديمه لتأكيد عُمقهم الحضاري، حيث تتبنى المؤسسات الرسمية في الريّاض هذا التوجه ليكون رافعةً للهوية الوطنية السعودية. تتعدد الروايات التاريخية بشأن مملكة الأنباط، حيث ينقسم الباحثون حول روايتها المنشئة، ولكن عندما يختلط التاريخ بالسياسة، فإن الموضوعية لا قيمة لها إذا تعارضت مع التوجه الرسمي الذي تتبناه الدول بشأن هوياتها وجذورها الحضارية. يحمل عنوان الفيلم السعودي طابعاً سياسياً لافتاً للانتباه، فعندما توصف مملكة الأنباط بأنها كنز من كنوز الجزيرة العربية فإن ذلك يُضعف الرواية الأردنية التي ترى بأن البتراء هي قلب المملكة النبطية، ويجعل منها امتداداً لحضارة سعودية يجري الترويج لها، وليست مركزاً حضارياً أردنياً بدأ يتوسع في الاتجاهات الأربعة. مملكة الأنباط التي وصفها وزير السياحة والآثار الأردني السابق مكرم القيسي بأنها "أول إمبراطورية عربية أردنية" لا ينبغي التعامل معها وكأنها مجرد حقبة تاريخية قديمة انقضت ولا فائدة تُرجى منها إلا في جانبي السياحة والاستعراض التاريخي، بل يجب أن يتم توظيفها ضمن مشروع وطني شامل يبرز عمق الهوية الوطنية الأردنية ويرد الاعتبار لحقوقه التراثية الأصيلة ويملأ الفراغ الناجم عن غياب الرواية الحضارية الوطنية الذي بدأت تستغله حكومات عربية لأغراض سياسية على حساب البديهيات الوطنية الأردنية التي لم تجد مكاناً لها في مساحات التعليم والثقافة والإعلام كما ينبغي، وهذا يتطلب جهوداً تكاملية من المؤسسات الرسمية الأردنية، على رأسها وزارات الثقافة والسياحة والآثار والتعليم، بالإضافة إلى الهيئة الملكية الأفلام، وهيئة تنشيط السياحة لتقديم رؤية وطنية أردنية عالمية تعيد الاعتبار للمكان والزمان الأردنيين، وتسلط الضوء على الأردن كحاضنة حضارية أصيلة، لها رموزها ومآثرها ومشروعها الثقافي الممتد