نبض البلد - د.أيوب أبودية
مقدمة
الأردن بلد يمتاز بتنوعه الطبيعي والجغرافي والحيوي، ومناخه المعتدل وشعبه المضياف وأمنه المستتب؛ من جبال عجلون الخضراء مرورا بالبلقاء الشامخة إلى الكرك والطفيلة والبتراء ووادي رم والصحراء حتى البحر الأحمر، ومن الأغوار الخصبة ونهر الأردن والبحر الميت الفريد عالميًا إلى البادية. غير أنّ الضغوط السكانية والاقتصادية، والاعتماد المفرط على الموارد المحدودة، ومخاطر تغير المناخ، كلها عوامل تهدد استدامة هذا الجمال الطبيعي.
ولأن البيئة ليست رفاهية، بل شرط أساسي لحياة صحية وتنمية اقتصادية متوازنة ومستدامة لنا ولأجيال القادمة، فإننا بحاجة لرؤية مستقبلية تجعل من الأردن نموذجًا إقليميًا في الحفاظ على البيئة. وفيما يلي بعض هذه الأفكار:
-حماية الغابات والوقاية من الحرائق
غابات الأردن تمثل رئة الوطن، لكنها تتعرض سنويًا لحرائق مدمرة تهدد التنوع الحيوي وتزيد من التصحر والتلوث، وقد تراجعت مساحة الغابات من نحو 2% إلى ما دون النصف. فلمواجهة ذلك علينا القيام بما يلي:
التقنيات الحديثة: تركيب كاميرات مراقبة حرارية وأبراج مراقبة ذكية لرصد أي حريق في بدايته. وتناط مسؤوليته بطوافي الحراج بحيث يكون مرتبطين بالدفاع المدني والاطفاء مباشرة، ويتم تحميلهم المسؤولية.
التدريب والتأهيل للاستجابة السريعة: تشكيل فرق إطفاء محلية في القرى القريبة من الغابات، وتجهيزها بمعدات إطفاء خفيفة، وتخصيص آبار مياه قريبة لهذه الغاية.
المسارات العازلة: إنشاء ممرات خالية من الأشجار حول الغابات لوقف امتداد النيران، وتنظيف الموقع من الأعشاب والأغصان القابلة للحريق.
التوعية المجتمعية: إطلاق حملات توعية خلال موسم الصيف حول مخاطر إشعال النيران والتخلص الخاطئ من النفايات، مع إصدار تعليمات وعقوبات رادعة حتى لا يفلت المعتدي من العقاب سواء كان الجرم عفويا أم مقصودا.
تشجير منظم: إعادة زراعة المناطق المتضررة بأشجار محلية أقل عرضة للاشتعال، كما فعلت الحكومة بزراعة وإعادة تأهيل الغابة الملكية خلف القصر في الحمّر التي احترقت قبل سنوات، وزيادة التنوع في الأصناف حتى لا تزهر في وقت واحد، وبالتالي كي تستقطب الحشرات، والطيور على مدى العام.
-ثورة النقل النظيف: نحو مركبات كهربائية
التلوث الناتج عن قطاع النقل في الأردن مرتفع بسبب الاعتماد الكبير على السيارات العاملة بالوقود الأحفوري، خاصة الديزل سيء السمعة، ومركبات النقل العام الكارثية التي تعمل بها. ولتغيير هذا الواقع نضع هنا بعض المقترحات:
البنية التحتية: إنشاء شبكة واسعة من محطات شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة وفي داخل المدن.
الحوافز الاقتصادية: إعفاءات ضريبية وتشجيع استيراد المركبات الكهربائية والهجينة، ودعم تحويل سيارات الأجرة والحافلات للعمل بالكهرباء. ولتعلم الحكومة أن ما تربحه من ضرائب على الوقود الأحفوري يمكنها تعويضه بسعر الكهرباء.
النقل العام الذكي: تطوير نظام نقل جماعي كهربائي حديث، بما في ذلك الحافلات السريعة والقطارات الخفيفة. وإجبار المدارس الخاصة على التحويل إلى مركبات كهربائية بدءا من العام القادم. فما الذي يحول دون ذلك؟
تشجيع الدراجات الهوائية والمشي: إنشاء مسارات خاصة بالدراجات الهوائية، وتشجيع فكرة وسط المدن للمشاة فقط لتقليل الاعتماد على السيارات، وتوحيد مواد بلاط الأرصفة، وإزالة العوائق، والفرض على الأهالي تقليم نباتاتهم وأشجارهم، وليس قطعها، وجعل الأرصفة كلها مترابطة عند منسوب واحد لتشجيع المشاة على استخدامها بأمان.
الازدحام: معالجة الازحام في أوقات الذروة ضروري لأن الازدحام يزيد من استهلاك الوقود ويعاظم تلوث الهواء. ويتم ذلك بأساليب بسيطة كتنظيم دوام المدارس والجامعات، ومنع الآليات الضخمة والمتوسطة من دخول العاصمة أوقات الأزمة، حتى بكبات المواد التموينية وتنكات الماء ينبغي أن يخصص لها أوقات معينة خارج فترة الذروة، بما في مركبات الغاز المزعجة.
-القضاء على أكياس البلاستيك أحادية الاستخدام
أكياس البلاستيك من أكبر الملوثات في الأردن، حيث تنتشر في الصحارى والوديان وتؤذي الحياة البري، وتغلق المناهل، وتشوه المنظر الجمالي. وقدر صدر قرار بمنعها منذ زمن ولم يطبق، لماذا؟
التشريعات: حظر إنتاج وتوزيع الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، وفرض سعر لها مرحليا كما يفعل العالم، فاذا طلبت من زبون عشرة قروش مقابل الكيس تأكد أنه سيحضر كيسا من القماش في المرة القادمة. وهذا ليس اختراعا بل نظام متبع في أغلب الدول الراقية. ويمكن استبدالها بأكياس ورقية أو قماشية كالتي يمكن إعادة استخدامها.
التوعية: إطلاق حملات إعلامية في الأسواق والمدارس لتعزيز ثقافة التسوق المستدام.
الشراكات: دعم الصناعات المحلية لإنتاج أكياس قابلة للتحلل أو إعادة الاستخدام.
- الإدارة المتكاملة للنفايات
لتحقيق بيئة نظيفة ومستدامة، يجب النظر للنفايات كموارد، كاللجوء إلى إعادة التدوير بإنشاء مصانع متقدمة لإعادة التدوير، وتشجيع فرز النفايات من المصدر، وتحويل النفايات إلى طاقةب الاستثمار في تكنولوجيا إنتاج الطاقة من النفايات العضوية، بما يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي. كذلك تنظيم تبادل النفايات الصناعية بين المصانع.
ختاما نقول إن دور المجتمع في حماية البيئة لا ينحصر في إصدار القوانين وحدها؛ فالمواطن شريك أساسي في حماية البيئة، لذا يجب تعزيز التربية البيئية في المدارس والجامعات، وإشراك المجتمع المحلي في حملات تنظيف الغابات والشواطئ، وتقديم حوافز للأفراد والشركات التي تطبق ممارسات صديقة للبيئة.
إذ أتمنى أن أرى الأردن في المستقبل القريب بلدًا أخضر يعتمد على الطاقة المتجددة في إنتاجه للكهرباء كحال سكوتلندا وكوستاريكا والأوراجواي وغيرها، وأيضا يخلو من التلوث البلاستيكي، وتتمتع فيه الغابات والتنوع الحيوي بالحماية والاهتمام، وشوارعه تستقبل مركبات نظيفة لا تطلق دخان ولا تستعمل أبواقها ولا تدور فيها مركبات تطلق مكبرات الصوت المزعجة لبيع البندورة والخيار وشراء الأدوات المستعملة، وأتمنى منع موسيقى الغاز المزعجة التي لم يعد لها من معنى في عصر بات الطفل بحمل هاتفا.
هذه الرؤية ليست حلمًا بعيدًا، بل خطة قابلة للتحقيق إذا تبنتها رئاسة الوزراء وتكاتف المواطنون وصناع القرار والقطاع الخاص والعام. فليست مسؤولية حماية البيئة جهة واحدة، بل التزام وطني ميتدام لا يتوقف عند تغيير الوزارة، والذي من شأنه أن يحفظ للأجيال القادمة أرضًا صالحة للمعيش بعد انتهاء إقامتنا المؤقتة على هذه الأرض المباركة.