مدينة غزة والمفاوضات

نبض البلد -

حاتم النعيمات

من غير الممكن تفسير صمت حماس في ظل بدء عملية احتلال مدينة غزة (مدينة غزة مركز قطاع غزة) إلا في سياق عدم تقدير خطورة المشهد بالحد الأدنى، فاستدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط للالتحاق بالعملية لن يكون مجرّد ضغط على مفاوضي حماس كما يروِّج بعض النشطاء والإعلاميين، بل هو بالأساس قد يكون تعزيز للواقع الميداني بشكل جدي، فاستدعاء الاحتياط ليس سهلًا وله تكاليف داخلية على نتنياهو وعلى الحياة العامة. في المحصلة، تتمسك "إسرائيل" بإطلاق سراح الرهائن دفعة واحدة ونزع ما تبقى من سلاح حماس، ويتعالى نتنياهو بدعم أمريكي على جميع الصفقات الجزئية بحكم الوجود العسكري الإسرائيلي الكثيف في القطاع، ليبقى الحال المأساوي الذي يعانيه سكان القطاع كما هو.

نحن اليوم أمام قضية رهائن بحتة، إذ لم يعد الحديث عن التحرير وفرض الدولة الفلسطينية واردًا من جهة حماس، بالتالي فإن ما يحدث قد يعتبره البعض خارج سياق القضية الفلسطينية، فهناك رهائن لدى تنظيم تطالب بهم "دولة"، وطلبات حماس تخصها كتنظيم فقط. دعك من أن حماس ما زالت طرفًا في الانقسام الفلسطيني مع السلطة الوطنية الفلسطينية، ولا ترغب بالمطلق بعودة الشرعية الفلسطينية إلى القطاع. المحصلة أن هناك مشاكل كبيرة في مجريات المفاوضات لا تقل سوءًا عن الوضع الميداني. عامل الزمن خطير في مشهد غزة، ويقف إلى صف نتنياهو لسوء الحظ، وما نراه هناك يؤشر على ضرب لفكرة المقاومة ولعلاقة الفلسطيني مع قضيته، ويستدعي السؤال بإلحاح عن جدوى هذا.

من زاوية أخرى، فعلينا أن نقرأ علاقة مصر وقطر كوسطاء اليوم، إذ تبدوان وكأنهما تتحركان بشكل متوازٍ في ملف غزة، فالمقترح الأخير للهدنة الذي قبلت به حماس خرج بإرادة مشتركة بينهما وبرعاية أمريكية، والزيارات المتبادلة والتصريحات الرسمية تؤكد أن التنسيق عالٍ، لكن هذا لا يمنع سعي كل دولة منهما إلى تحقيق مصالحها الذاتية، فالقاهرة تضغط من زاوية حدود رفح وممر فيلادلفيا والتهديد بالتهجير ووضع معاهدة كامب ديفيد، فيما تركز الدوحة على علاقتها بالمكتب السياسي لحماس.

لذلك، لا تخلو الصورة من تباينات تكتيكية؛ فمصر تفكر في اليوم التالي بعيون أمنية، بينما قطر تحاول إبقاء النبض في مشاريعها المعتمدة على الإخوان وحماس ضمن المسارين السياسي والإعلامي. وقطر تملك أوراق ضغط مباشرة على حماس تتعلق بإقامة القادة على أرضها، وتتبنى الرواية الإعلامية المساندة لحماس، وكل ذلك يضاف إلى أنها غير متضررة فعليًا مما يحدث في غزة بسبب بعدها الجغرافي، على عكس مصر التي تعايش الأحداث عن قرب وتتأثر بها، وتتعرض بشكل مستمر لهجمات إعلامية من الإخوان وحماس.

من الواضح أن هناك تضاربًا خفيًا في المصالح بين الوسطاء أنفسهم، وهذا بتصوري جزء أساسي من حالة الاستعصاء الذي تمر به المفاوضات.

التحرّك العسكري الإسرائيلي باتجاه مدينة غزة والرهائن أصبح واقعًا، ونحن بذلك قد نكون على موعد مع مأساة إنسانية جديدة، وقد نكون أمام ذروة التوترات مع مصر في حال تم نقل السكان إلى الجنوب، لذلك لا بد من تغيير الاستراتيجية المصرية والانتقال من دور الوسيط إلى دور الطرف، فالاعتماد على "بقية الأطراف” أثبت فشله.