من التحدي إلى الفرصة: رؤية اقتصادية وتربوية لتحويل هجرة العودة الطلابية نحو المدارس الحكومية إلى نهضة تعليمية شاملة

نبض البلد -
الدكتور زيدون المساد

تشهد المنظومة التعليمية تحولاً هيكلياً بارزاً يُعبر عن نفسه في التدفق المستمر والمنتظم لأعداد كبيرة من الطلبة من القطاع الخاص إلى المدارس الحكومية. إن هذا التحول، الذي تجاوزت أعداده حاجز الـ15 ألف طالب سنوياً، لم يعد مجرد ظاهرة موسمية، بل أضحى مؤشراً اقتصادياً واجتماعياً يعكس إعادة ترتيب أولويات الأسرة الأردنية في ظل الضغوط المعيشية، وتوجه الوزارة نحو التوسع في التعليم المهني (مثل برنامج BTEC المجاني) وتحسين الخدمات المساندة كالنقل المباشر.
ورغم أن هذا التدفق يفرض ضغوطاً تشغيلية واستيعابية مثل؛ الاكتظاظ الطلابي في الصف الواحد،واللجوء لنظام الفترتين  والأبنية المستأجرة غير المناسبة للتعلم، إلا أنه يمثل -من منظور اقتصادي وتربوي- فرصة تاريخية لإعادة إحياء دور المدرسة الحكومية كخيار أول وأمن للمواطن، وذلك لأسباب كثيرة منها:-

أولاً: ارتفاع الرسوم الدراسية وأجور النقل والأنشطة في مدارس القطاع الخاص دفع العديد من الأسر للبحث عن البديل الأكاديمي المجاني.
 ثانياً: الجاذبية التعليمية والمهنية،ومجانية المسارات التخصصية والمهنية الحديثة (BTEC) التابعة للوزارة، جعلت التعليم الحكومي يسبق القطاع الخاص في استشراف سوق العمل.
 ثالثاً: الخدمات اللوجستية المساندة،والتوسع في مشاريع النقل المدرسي المجاني، وبناء المدارس الجديدة، يعزز ثقة أولياء الأمور بالتسهيلات المقدمة.
من هنا يمكن للمقترحات التالية أن تعزز فرص نجاح هذا التحول:
مبادرة الشراكة المجتمعية (صندوق دعم التعليم والتحفيز المؤسسي) من أجل مواجهة تحديات الاكتظاظ ورفع الجودة التعليمية لتضاهي وتتجاوز القطاع الخاص، ينبغي الخروج من أطر الحلول التقليدية نحو نموذج التكافل الوطني الاقتصادي، وذلك عبر استراتيجية قائمة على المبادئ التالية:
1. إنشاء "صندوق دعم وتطوير التعليم العام"
تأسيس صندوق موحد يجمع بين التبرعات والشراكة المجتمعية من أولياء الأمور والمجتمع المحلي، مع دعم مالي حكومي موازٍ. يُدار هذا الصندوق بشفافية وحوكمة عالية لضمان التوزيع العادل والموجه للبنية التحتية والمورد البشري.
2- ربط التمويل بنظام "المكافآت والتقييم السنوي"،حيث يُخصص جزء رئيسي من أرباح ومكتسبات الصندوق لتطبيق نظام مكافآت سنوي يعتمد على تقييم شامل لأداء المدارس نهاية كل عام دراسي، بناءً على مؤشرات كفاءة محددة:
 3- الأداء الأكاديمي والصفّي: قياس التطور في تحصيل الطلبة ومدى جودة البيئة التعليمية،والأمان والسلامة المدرسية،وتوفير بيئة جاذبة وخالية من السلوكيات السلبية.إضافة إلى الكفاءة الإدارية والمعلم: توزيع الحوافز المالية والمكافآت على المديرين والمعلمين والكوادر الإدارية وفق نتائج الجهد المبذول وتطور المدرسة.
إن إجراءات هذا المقترح الصائبة من شأنها:-
1. خلق تنافسية إيجابية بين القطاعات،حيث يخلق هذا النظام حالة من المنافسة الشريفة ليس فقط بين المدارس الحكومية فيما بينها، بل يرفع من قيمتها السوقية والتربوية لتصبح منافساً حقيقياً للقطاع الخاص، مما يُعيد ترتيب العلاقة التشاركية بين ولي الأمر والمدرسة الحكومية كمؤسسة وطنية جامعه.
إن الانتقال التدريجي نحو التعليم الحكومي يجب ألا يُعامل كأزمة استيعاب، بل كبداية لبرنامج وطني يُشارك فيه الجميع. عبر تكامل الجهود بين الحكومة وأولياء الأمور ودعم الكوادر التعليمية بحوافز مرتبطة بالإنجاز، نستطيع الانتقال بمدارسنا الوطنية إلى مرحلة من التميز والرفعة تضمن تعليماً مجوداً وآمناً لجميع أطفالنا.