الضغوط المعيشية والتحديات الاجتماعية تدفع بعض الشباب نحو الاكتئاب وأفكار الانتحار

نبض البلد -

دنون: الاكتئاب غير المعالج قد يدفع بعض المصابين إلى تعاطي المخدرات أو الكحول للهروب من الأعراض النفسية

بني مصطفى: الفئة العمرية بين 18 و25 عاما الأكثر عرضة للاكتئاب


أية شرف الدين


في ظل تسارع وتيرة الحياة اليومية وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، يبرز الاكتئاب بين فئة الشباب كأحد أبرز التحديات الصحية النفسية في العصر الحديث، حيث تشير تقارير صحية عالمية إلى أن الاضطرابات النفسية باتت من الأسباب الرئيسية لتراجع جودة الحياة في هذه الفئة العمرية مع تأثيرات تمتد إلى الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن الاكتئاب لا يقتصر على الشعور بالحزن، بل هو اضطراب صحي يؤثر على التفكير والسلوك والصحة الجسدية، وقد يصل في بعض الحالات إلى عواقب خطيرة إذا لم يتم التعامل معه بشكل مبكر وصحيح
لذلك يحذر مختصون لضرورة متابعة الصحة النفسية وعدم الخجل من مراجعة الطبيب او اعتبارها وصمة لان في حال عدم متابعتها قد يؤدي تفاقمها للتفكير بالانتحار والتعاطي.





قال الدكتور عبدالله أبو دنون اخصائي اول الطب النفسي ومعالجة الإدمان في سياق حديثه للأنباط عن الأسباب التي تدفع الشباب للاكتئاب وتجبرهم للتفكير بالانتحار وعن نسب ارتفاع حالات الاكتئاب بين الشباب، مبينا أن البيانات الحديثة تشير إلى أن الاكتئاب بين الشباب في ازدياد واضح خلال العقد الأخيروعالمياً: نحو 1 من كل 7 مراهقين (≈14%) يعاني من اضطراب نفسي، والاكتئاب أحد أهمها.

وأضاف الدنون أن في بعض الدراسات الحديثة: تصل نسبة من مرّوا بنوبة اكتئاب إلى 18–20% من المراهقين سنوياً، ومن ناحية الاتجاه الزمني: ارتفعت معدلات الاكتئاب من 8.2% إلى 13.1% خلال 10 سنوات، مبينا أن هناك زيادة عالمية في عبء الاكتئاب بين المراهقين بنحو ≈50% منذ 1990.
وبالتالي : نحن أمام زيادة حقيقية وليست فقط زيادة تشخيص، خاصة بعد جائحة COVID-19.


وفي السياق أكمل الدنون عن أهم الأسباب انتشار الاكتئاب بين الشباب، حيث أن
الأسباب متعددة (biopsychosocial model) وإحداها عوامل بيولوجية و الاستعداد الوراثي و اضطرابات النواقل العصبية (خصوصاً السيروتونين والدوبامين)، مضيفا أن العوامل النفسية لها تأثير بما فيها ضعف مهارات التكيف
الكمالية أو الحساسية المفرطة للنقد وصدمات الطفولة.

وأشار الدنون لأهم وأبرز العوامل حاليا لها تأثير وهي العوامل الاجتماعية ، مشيرا أن وسائل التواصل الاجتماعي وتأثير المقارنة والضغط النفسي والعزلة الاجتماعية رغم "الاتصال الرقمي” وأيضا الضغوط الأكاديمية والبطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي و تغير نمط الحياة (قلة النوم، قلة الحركة) كلها عوامل وأسباب مهمة تؤثر تؤدي لانتشار الاكتئاب.

وبين الدنون أن التقارير الحديثة تشير إلى أن العوامل الحديثة مثل القلق من المستقبل، العمل غير المستقر، وتأثير السوشيال ميديا تلعب دوراً كبيراً في الزيادة الحالية.

وأوضح الدنون أن الاكتئاب أكثر شيوعاً يكون لدى النساء بحوالي 1.5 مرة أكثر من الذكور، مشيرا أنه عند المراهقين الإناث ≈ 26%، بينما عند الذكور ≈ 12%.

ويأتي ذلك لعدة أسباب ومنها بيولوجياً تأثير الهرمونات (الإستروجين والتقلبات الهرمونية)، ونفسياً الميل التفكير الاجتراري (rumination)، أما اجتماعياً
فا الضغوط الاجتماعية تكون أعلى (الصورة الجسدية، التوقعات الاجتماعية) ما يجعل لها تأثير أكبر.

وفي حديثه نوه الدنون أن الذكور أقل طلباً للمساعدة، لذلك قد يكون الاكتئاب لديهم أقل تشخيصاً لكنه أكثر خطورة من حيث النتائج (مثل الانتحار).

وأوضح الدنون أنه على الرغم تزايد الحديث عن أهمية الصحة النفسية في الأردن، إلا أن الواقع ما يزال يواجه جملة من التحديات التي تعيق وصول الأفراد خاصة الشباب إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي، مؤكدا أنه في مقدمة هذه التحديات تبرز الوصمة الاجتماعية التي ما تزال تربط بين العلاج النفسي ومفاهيم سلبية كـ”الجنون”، ما يدفع كثيرين إلى تجنب طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع. هذه النظرة تشكل حاجزًا نفسيًا إضافيًا أمام المرضى، وتؤخر التدخل المبكر.

وأضاف الدنون إلى جانب ذلك أن القطاع يعاني من نقص في الخدمات المتخصصة، حيث لا يتناسب عدد الأطباء والمعالجين النفسيين مع حجم الحاجة المتزايدة، فضلا عن تمركز هذه الخدمات في المدن الكبرى ما يترك سكان الأطراف والمناطق البعيدة أمام خيارات محدودة.

وذكر الدنون أن الوصول إلى العلاج يشكل ضعف مما يجعله تحديا آخر، مضيفا في ظل ارتفاع تكلفة الجلسات العلاجية، ومحدودية التغطية التأمينية لخدمات الصحة النفسية، الأمر الذي يجعل العلاج رفاهية لا يقدر عليها الجميع.

وبطبيعة الحال لا يقل نقص الوعي المجتمعي خطورة، إذ يؤدي إلى تأخر طلب العلاج، واعتماد البعض على أساليب غير علمية أو اللجوء إلى الطب الشعبي بدل المختصين.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة كبيرة من الشباب الذين يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية لا يحصلون عليها وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية وتوفر الخدمات، ويضع تحديات إضافية أمام الجهات المعنية لتطوير هذا القطاع الحيوي.



ومن زاوية أخرى أشارالدنون أن مواجهة الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية تتطلب مقاربة شاملة ومتعددة المستويات، وذلك تبدأ من التوعية المبكرة داخل المدارس والجامعات من خلال إدماج مفاهيم الصحة النفسية في المناهج وترسيخ فكرة أن الاكتئاب مرض قابل للعلاج وليس دليلاً على الضعف.

وأكد الدنون أن الإعلام يلعب دورا محوريا في هذا السياق عبر تقديم محتوى مهني يستند إلى آراء خبراء وعرض قصص واقعية لشباب تمكنوا من التعافي، بما يسهم في تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالعلاج النفسي.

كما شدد الدنون على أهمية "تطبيع” الحديث عن الاكتئاب، من خلال تشبيهه بالأمراض المزمنة مثل السكري باعتباره حالة صحية تحتاج إلى متابعة وعلاج لا إلى وصم أو إخفاء.

وفي جانب الخدمات، يبرز تحسين الوصول كأحد أبرز التحديات، من خلال توفير عيادات بتكاليف مناسبة، وتوسيع نطاق خدمات الدعم النفسي عبر الإنترنت، خاصة لفئة الشباب.

أما على مستوى الممارسة الطبية، فيؤكد الأطباء النفسيون ضرورة بناء علاقة قائمة على الثقة والسرية مع المرضى، والعمل على تقليل المخاوف المرتبطة بالعلاج الدوائي، من خلال التوعية والشرح العلمي المبسط.


حذر الدنون من أن الاكتئاب غير المعالج قد يقود إلى مضاعفات خطيرة، أبرزها اللجوء إلى تعاطي المواد المخدرة أو الكحول كوسيلة مؤقتة للهروب من الأعراض النفسية، وهو ما يعرف بـ”العلاج الذاتي”،بين أن الانتحار يعد من أخطر النتائج المحتملة للاكتئاب، خاصة في حال غياب التدخل المبكر والدعم المناسب. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الانتحار يُعد من أبرز أسباب الوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما.

وتوضح العلاقة بين الاكتئاب وهذه السلوكيات الخطرة، إذ يؤدي الشعور المستمر باليأس وفقدان المعنى إلى تصاعد الأفكار السلبية، التي قد تتطور في بعض الحالات إلى سلوكيات مؤذية للنفس.


واختتم الدنون أن الاكتئاب بين الشباب يشهد تزايدا ملحوظا على المستوى العالمي، مع تقديرات تشير إلى أن شابا واحدا من كل خمسة قد يعاني من أعراضه بدرجات متفاوتة، مشيرا أن العوامل الحديثة تلعب دورا مثل الضغوط الاقتصادية ووسائل التواصل الاجتماعي والعزلة، دورا رئيسياً في تفاقم المشكلة.

ولفت الدنون أن الدراسات تظهر الإناث أكثر عرضة للإصابة، في حين أن الذكور أقل ميلا لطلب العلاج، وأكثر عرضة للمضاعفات الخطرة.
في الأردن، تبرز الوصمة الاجتماعية وضعف الوصول إلى الخدمات كأبرز التحديات أمام العلاج.
وأكد الدنون أن الاكتئاب ليس حالة عابرة، بل اضطراب صحي قد يؤدي إلى الإدمان أو سلوكيات خطرة إذا لم يتم التعامل معه مبكرا وبشكل مهني.

ومن جهتها بينت الأخصائية النفسية والتربوية مرام بني مصطفى أن الاكتئاب لم يعد مجرد حالة حزن عابرة بل اضطراب نفسي يؤثر بشكل مباشرة على حياة الشباب الاجتماعية والنفسية، ويترك انعكاسات واضحة على طريقة تفكيرهم وتفاعلهم مع الآخرين.

وأشارت بني مصطفى أن تأثير الاكتئاب يظهر اجتماعيا من خلال الانسحاب والعزلة، إذ يميل الشاب إلى تقليل تواصله وخروجه نتيجة الإرهاق النفسي و إلى جانب فقدان الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، وصعوبة التعبير عن المشاعر، ما يؤدي أحيانا إلى سوء فهم وتدهور العلاقات مع المحيطين.

وأشارت بني مصطفى أن انتشار الاكتئاب بين الشباب يرتبط بعدة عوامل متداخلة أبرزها الضغوط الدراسية والاقتصادية، والمشكلات الأسرية، وضعف مهارات التعامل مع المشاعر، إضافة إلى المقارنة المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز الشعور بالنقص وعدم الكفاية لدى البعض.

وأوضحت أن الفئة العمرية بين 18 و25 عاما الأكثر عرضة للاكتئاب، خاصة مع تحديات الدراسة والعمل وبناء المستقبل، فيما تسهم البطالة والضغوط الاقتصادية في زيادة مشاعر الإحباط وفقدان الأمل لدى الشباب.

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا مزدوجا، إذ قد تكون مصدرا للدعم والتوعية، لكنها في المقابل ترفع معدلات القلق والعزلة الرقمية بسبب المقارنات المستمرة والتنمر الإلكتروني.

وشددت بني مصطفى على أهمية التوعية النفسية وكسر الوصمة المجتمعية المرتبطة بطلب العلاج، مؤكدة أن فهم الاكتئاب باعتباره حالة طبية يسهم في تشجيع المصابين على طلب المساعدة وتقليل مشاعر العزلة لديهم.