نبض البلد -
منذ أن جاءت الإشارة الملكية السامية للحديث عن السردية الأردنية، انطلقت موجة واسعة من الندوات والمقالات والمنشورات، حتى بدا وكأن الجميع يسابق الزمن لتعريفها أو احتكار الحديث باسمها، وتحول الأمر لدى البعض إلى حالة موسمية أو مادة للاستهلاك الإعلامي السريع وربما التكسب بعيدا عن الفكرة والإشارة الملكية التي وجهت لها.
السردية الوطنية ليست شعارًا دعائيًا، ولا كتيبًا تعريفيًا بإنجازات المؤسسات، وليست مادة إنشائية تُلقّن في المدارس أو حكايات بطولات تُروى للتفاخر في المجالس.
السردية أعمق من ذلك بكثير، فهي الوعي المتراكم لمسيرة وطن، والقدرة على فهم الأحداث في سياقها، وربط الماضي بالحاضر، وقراءة التحولات دون اجتزاء أو انتقاء. هي تفسير لصيرورة الدولة والمجتمع بشكلهالحاضر، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، ومنعطفات وصراعات، وانتصارات وتحديات.
السردية الحقيقية لا تُبنى على التجميل ولا على الإنكار، بل على الاعتراف بالتجربة كما هي، وفهم جذورها التاريخية والسياسية والاجتماعية، لأن الأوطان التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها.
السردية ليست خطاب تعبئة عاطفي، بل رواية وطن متكاملة؛ رواية الأرض والإنسان والمؤسسات والقيم، رواية تشكلت عبر عقود طويلة من التضحيات والعمل والتحولات، وتداخلت فيها الهوية الوطنية مع العمق العربي والإنساني.
وحين تُكتب السردية بصدق، فإنها لا تصبح مجرد توثيق للماضي، بل بوصلة للمستقبل، ومرجعية تحفظ للأجيال معنى الدولة، وفكرة الوطن، وقيمة الانتماء.
المهندس عامر الحباشنة