نبض البلد -
بقلم عاكف الجلاد
في الفجر وحين ينام الناس بطمأنينةٍ كانت هناك عيونٌ النشامى لا تغفو ، وقلوبٌهم تتقدّم نحو الخطر ، وأن الطريق قد لا يكون عودة منه.
تحرّكوا بثباتٍ نحو مواجهة مجرمٍ حقير وخطيرٍ ، غارقٍ في تجارة السموم والمخدرات ومدجّجٍ بالسلاح والعنف.
وما هي إلا لحظات حتى انقلب الصمت إلى جحيم ، وتحوّل المكان إلى ساحة حرب ، وارتفع صوت الرصاص ، وبقي الفعل وحده يتكلم.
اليوم وفي أحد أحياء عمّان ارتقى ثلاثة من خيرة الرجال شهداء ، ومضوا واقفين ، ثابتين ، لا يساومون على واجب ، ولا يتراجعون أمام اي خطر.
كتبوا بدمائهم رسالةً للحميع بأن هذا الوطن يُحمى برجاله النشامى وأن الأمان يُنتزع انتزاعًا .
أُصيب رفيقهم الرابع لكنه خرج شاهدًا على ملحمةٍ وبطولة لا تُروى كاملة ، لأن الألم أكبر من أن يُحكى ، ولأن في صدره ما يكفي ليُدرك الناس حجم الثمن في تلك اللحظات.
انتهت العملية بإلقاء القبض على المطلوب ، لكن الحقيقة الأقسى أن النصر جاء مثقلًا بالفقد والوجع ، وأن الأمن الذي نعيشه كلفته أرواحٌ طاهرة دفعت ثمنًا لا يُعوّض.
هؤلاء ليسوا عناوين عابرة ولا أرقامًا تُطوى مع نشرات الأخبار ، بل هم أبناء بلد ، ونبض عائلات ، وأحلامٌ كانت تكبر قبل أن تُختصر في مشهد وداعٍ موجع.
لكن السؤال الذي يصرخ في وجهنا جميعًا ، إلى متى سنبقى ندفع هذا الثمن؟
إلى متى نخسر خيرة شبابنا بين ضحايا المخدرات وبين رجالٍ يسقطون وهم يطاردون تجّارها؟.
المخدرات لم تعد مجرّد آفة ، بل تحوّلت إلى عدوٍ خفيّ ينهش في جسد المجتمع ويسرق العقول ويفتك بالمستقبل ويزرع الخراب في البيوت ، وتجارها ليسوا مجرمين عاديين ، بل تجار موت ودمارٍ يجب أن نواجههم بكل حزمٍ وقوة.
المعركة الحقيقية تبدأ من تجفيف المنابع ومن ملاحقة الرؤوس الكبيرة واقتلاع هذه الشبكات من أساسها وليس الاكتفاء بمطاردة الضعفاء أو الضحايا.
إنها مسؤولية دولةٍ ومجتمع وشعب ، مسؤوليتنا جميعاً أن نقف جميعًا في خندقٍ واحد بلا تردد وبلا تهاون ، لأن التراخي اليوم يعني خسارة الغد.
فلنشدّ على أيدي رجال الأمن ولنكن سندًا لهم ، لا مجرد متفرجين على تضحياتهم. فلا مكان لتجار السموم بيننا ولا رحمة لمن يعبث بأمن هذا الوطن ومستقبل أبنائه.
عظم الله اجرك ياوطني ، ورحم الله شهداءنا الأبرار وجعلهم في جنات النعيم ، وألهم أهلهم الصبر والسلوان.