ابراهيم ناصر: أنا لا أؤمن بالروائي العليم

نبض البلد -
حوار تبارك الياسين مع الروائي ابراهيم ناصر
‎تُعَدُّ رواية ظلال على شرفة المجهول للكاتب الأردني إبراهيم ناصر من الأعمال الروائية الحديثة التي تسلّط الضوء على قضايا الهوية والانتماء والذاكرة في سياق اجتماعي وسياسي معقّد. تتناول الرواية قصة البطل صابر الذي يعود بعد غياب امتدّ لأربعٍ وعشرين سنة ليواجه ماضيه المعلّق، ويقف على شرفة الحاضر وهو مثقل بأسئلة الذات والمنفى.
‎‐ البعض من كتاب الرواية يختارون عناوين انشائية وبلاغية٠٠
‎‐ اختيار الزمن الروائي ضرورة للهروب من تقليدية السرد ٠٠
‎‐ثيمة الرواية اجتماعية للبوح عن المسكوت عنه٠
‎‐ تناولت القضية الفلسطينية وتداعياتها على بنيتنا الإجتماعية ٠
‎‐ انا لا أؤمن بالراوي العليم٠
‎دلالة العنوان "ظلال على
‎ شرفة المجهول"؟ كيف أسئلة أساسية عن الحبكة والمواضيع عبّر "الظلال”، "الشرفة”، و"المجهول” عما يدور داخل الرواية؟
‎ ج-١- يحدث أن يحاول كتّاب الرواية في عالمنا العربي اختيار العناوين لرواياتهم إلى بلاغات وبيانات لغرض نقد الواقع والفضح ومثلهما٠ هذا تمتصه الرواية ولا تصرح به ، أو سواء جاء على لسان شخصية، أو في:موقف وحدث وملفوظ بالتلميح والإيماء والسخرية، والروائي بحق لا تصطاده بلاغة الاحتجاج، لا يتكلم ، وهذا مفرط عند كتاب الرواية في عالمنا العربي٠
‎بخصوص العنوان ودلالاته، لم يكن اختيارا جزافيا، بل لكل كلمة دلالتها والتي تعكس مضمون الرواية وسير احداثها. الرواية تغطي الفترة الزمنية ما بين النكبة الفلسطينية عام 48 والنكسة الفلسطينية عام 67 وتلقي الضوء على الهجرة الطوعية للفلسطينيين في هذه الفترة لأسباب اقتصادية واجتماعية، وتأثير هذه الهجرة والتهجيرالقصري على نفسياتهم وشخصياتهم ومشاعرهم ومواقفهم من الحياة بشكل عام. فمن خلال تطور ونمو الشخصيات الرئيسة في الرواية كان شعورهم كأنهم عبارة عن "ظلال" لشخصيات حقيقية فقدت حقيقتها جراء الأحداث تعيش حالة من الاغتراب والمنفى، فراحت تبحث عن حقيقتها وجذورها. فالوقوف على "الشرفة" هنا له دلالة النظر الى الأمام الى المستقبل للبحث عن الذات المفقودة، والمستقبل هنا "مجهول".
‎2. كيف يُمثّل غياب صابر وعودته قضية الانتماء والهوية؟ ماذا يقول ذلك عن سؤال "من أنا؟"؟
‎(ولعل الحنين هو رحلة انتقال بالذاكرة، وبالذائقة الفنية من زمان ومكان راهنين، إلى زمان ومكان)
‎ج-٢- تتكأ شخصية صابر في:الرواية، إلى متواليات سردية تغوص في بيئة اجتماعية كانت مستقرة إلى متغيرة وقلقة جراء الاحتلال الأحلالي الاسرائيلي، فالهوية كانت ومازالت الوطن الحقيقي لصابر.
‎ولعل الحنين هو رحلة انتقال بالذاكرة، وبالذائقة الفنية من زمان ومكان راهنين، إلى زمان ومكان ماضيين، ويتم هذا الانتقال على عدة مستويات ، سواء في المطلق، أو في التجريد، أو في المتخيل ، فللمطلق سلطة على الروائي والرواية، تؤدي إلى التحول من معطى يتقادم لا يريد الاعتراف بهذا التقادم، اذ إنهما تحادث سردي، ومن حيث سلطة التجريد وفي رفض الركون إلى متخيل واحد للهوية، اعتقد انّ لصابر أكثر من هوية، لأن بيئته الإجتماعية صارت اكثر من مكان وزمان٠
‎3. القيادة الأبوية: كيف تُصوّر علاقة صابر بوالده محمد؟ هل كان الانتصار النهائي لصابر أم اعترافًا ضمنيًا من الأب؟
‎ج-٣- إن النشاط التلفظي هو الخيط الناظم الذي يخترق جميع مستويات التَّدلال من التكويني- الأبستمولوجي إلى مستوى الخطاب، عبر السيمو- سردي، وهو الذي يسمح بتشكيل الكونيات الدلالية الثقافية، حيث يشتغل في نوع من التجاذبات بين الأبن والوالد، كما يظهر ذلك جليا في الرواية على مستوى" محفل التلفظ" ، وهو يضفي طابع الزمنية على العلاقات بين الطرفين، علاقة مأزومة٠
‎ومن هذا المنظور ، فإن النشاط التلفظي، عبارة عن وحدات دلالية إنسانية لا ترتبط بمكان محدد أو زمان محدد، بل هي علاقة تكتسب نسقا ثقافية مورثا من البيئة الإجتماعية، التي تشكلت فيها العلاقة بين الابن والوالد، ويكون الاستعمال والاستحضار هما السبيلين لاكتساب النسق. والسلوك الإنساني( الدلالات الكونية) من جهة ، وإعادة إنتاجه وفهمه وتأويله من جهة ثانية٠
‎في المحصلة لا أحد منتصر.
‎4. ما الرمزية المتأصّلة في "البيت الكبير"، "الشرفة"، و"البحر"؟ وكيف تسهم هذه الرموز في بناء الرواية النفسية؟
‎ج-٤- الرواية في جوهرها - عمليات نفسية واجتماعية تصدر عن شخصية الإنسان بجملتها، وفكرا ووجدانا وارادة وخلقا، تتحقق على خير جوهرها إذا شملت تلك النواحي، وعملت تكاملها، وتُفهم طبيعتها بالاستناد إلى الفكر الإنساني وتطور العلم الحديث في مجال العلوم السلوكية خاصة، والممارسة الواقعية، وتحتاج خاصة إلى سند من التحليل النفسي والتحليل الفلسفي، يعني الأول بالأهداف. والغايات، والثاني الأساليب السردية٠
‎لقد وظفت الأمكنة كالبيت الكبير والبحر كرمز دلالي، للإحاطة الشاملة بالأمكنة التي عاشت فيها الشخصيات، وقد تنوع حضور المكان في السرد الروائي، بحيث نُلقي المكان الذي أصبح ذكرى، وفي ذات الوقت مقدس٠
‎والبحر رمزيته في الرواية كانت مكابدة على تسجيل الأحداث، وشاهد على المكان الذي سيكون في النهاية أطلال، ليظل تفاعل الروائي مع المكان محكومًا بعامل الزمن، ويظل المكان على ماضيه وحاضره، وهنا يصل احساس الروائي حد الحكم على المكان انطلاقًا من سلوكيات أصحاب البيت الكبير ، فيتمّ ربط المكان بالإنسان، واستحضرت البحر بصفته مصدرًا للمعاناة وبمكابدة الأخطار، وقد وظفت الوصف كإحتفاء ، وقد تموقع الوصف عندي لعدة مستويات ، يتداخل فيها الذاتي والموضوعي، والبصري والوجداني، والعادي والمبهر، منها ما له تعلق بالموصوف، أو بالوضع الثقافي واللحظة الحضارية٠
‎والرواية قد كتبتها، كبناء اجتماعي، يتخللها سرد نفسي قائم على الكشف ومما لهج الناس بذكر القبائح وما يكابدونه من معاناة حاضرة، وما يؤشر عليه المستقبل، أي قادم الأيام، فالنفسي هنا بوابة الحدث الروائي، والشخصية الروائية مفتاح السرد، الذي يؤسس إلى ما هو المكبوت، فالنفسي هو جواب على أحداث الرواية٠
‎5. ما تأثير امتداد الزمن على مدى أربع وعشرين سنة؟ كيف يساعد ذلك في إبراز تطور شخصيات الرواية؟
‎ ج-٥- يُبدي الزمن في الرواية منحى إلى التحرر من ربقة السرديات الحداثية الكبرى كالوظيفة البنائية ، ويبني تصورا للرواية لا يعتبرها مجرد أجهزة بيروقراطية وظيفية، بل مواقع للإنتاج الرمزي٠ وتنبذ أنثربولوجيا الرواية المعاصرة فكرة بوصفها" كيانًا قائمًا بذاته" منفصلا ومستقلا عن المجتمع، ويقارب الزمن الروائي باعتباره نتيجة لسرديات للأحداث اليومية للشخصية الروائية، والتمثلات التي يشكلها التفاعل والتلاقي اليومي بين الشخصيات الروائية ، بتعبير آخر ، يقوم الزمن الروائي في وصف التلاعب في نشاط الشخصيات في الحياة اليومية. صحيح هذا المفهوم للزمن الروائي بالنسبة لي واسع لكنه ضروري بالنظر إلى تعدد الشخصيات الروائية ونشاطها الاجتماعي، وظهر ذلك جليا في روايتي ( ظلال على شرفة المجهول)، فقد استخدمت الزمن ترسيم حدود " الاجتماعي"، و " السياسي"، ففي هذا التحديد تلعب الشخصيات ضمن دائرة الزمن التي رسمتها للشخصيات، وهنا لا بد من توضيح فكرة مهمة، عندما اقول تحديد الزمن لا اقصد بذلك التعاقب الزمن التقليدي الذي عادة يفرض قوانينه التقليدية، فأنا تناولت في الرواية أحداث القضية الفلسطينية وما أفرزته من تداعيات على الشخصيات الروائية، فالموضوع في الرواية هو الزمن الحقيقي للرواية٠
‎وخير دليل على ما أقوله عندما عنونت الجزء الأول لروايتي " في البيت الكبير وما الإنسان إلا حصيلة ذكرياته"، فالقارئ يلحظ مفردات وظفتها كالحجم، والإنسان والذكريات ، كلها مفردات نسجت زمن الرواية٠
‎الزمن هو زمن الروائي، وزمن المتلقي وما بينهما تتشكل رؤى للزمن بمفهوم جديد
‎6. كيف يؤثر استخدام الراوي العليم والمونولوج الداخلي للحوار على فهمنا لتحوّلات صابر الداخلية؟
‎ج-6 يحدث أن يعمد بعضُ كتاب الرواية بإسم البحث عن الراوي ":العليم" وتعلمه إلى تفكيك أواصر النص، إلى عليم وغير عليم، هذه الثنائية المفروضة على النص، أو تُفرض على السرد، هذا الوصف للراوي العليم ، ما هو إلا العودة للموروث القمعي في تراثنا الذي يمتلك الحقيقة المطلقة والمعرفة التي لا حدود لها٠
‎شخصية صابر في الرواية تبدأ بمشهد سينمائي وهو أقرب للمشاهد السي…