الاستقرار .. التقدّم .. التعاون .. قصة العولمة للتعاون الصيني - العربي

نبض البلد -
الاستقرار .. التقدّم .. التعاون .. قصة العولمة للتعاون الصيني - العربي
‏انطلقت امس  الخميس في مدينة يينتشوان، حاضرة منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوى بشمال غربي الصين، النسخة السابعة من معرض الصين - الدول العربية الذي سيستمر 4 أيام إلى 31 أغسطس.
‏يركز المعرض، الذي حمل شعار "الابتكار، التنمية الخضراء، والازدهار"، على تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الصين والدول العربية، ولأول مرة في التاريخ، تشارك جميع الدول العربية الـ22 في الحدث هذا العام.
‏اليوم يشهد التعاون بين الصين والدول العربية مرحلة جديدة من التطور، حيث تجاوزت مجالاته التجارة التقليدية ليشمل الزراعة الحديثة والتكنولوجيا الفائقة والطاقة والصناعة الكيميائية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات.
‏وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية، يسعى الجانبان إلى بناء شراكات عملية تقوم على الاستقرار، التقدّم، والتعاون، عبر مشاريع بنى تحتية كبرى، واستراتيجيات تحول اقتصادي، وآفاق متنامية للتجارة البينية.
‏ويجسد التعاون المشترك بين الجانبين نموذجا واقعيا لنهج التنمية المتبادلة بعيدا عن السياسات الأحادية والتقلبات الاقتصادية الدولي.
‏في الصورة الملتقطة يوم 10 فبراير 2025، خبير صيني يتفقد العمل في محطة كهرباء واسط، بمحافظة واسط العراقية. (شينخوا)
‏-- الاستقرار - إرساء أسس متينة: مفتاح النمو المستدام
‏الصين والدول العربية شريكان استراتيجيان للتنمية المشتركة، ظلت الصين الشريك التجاري الأكبر للدول العربية لسنوات عديدة متتالية.
‏في العام 2024، وصل حجم التجارة بين الصين والدول العربية إلى 407.4 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية نسبتها 2.3 بالمائة، وبلغ حجم التجارة بين الصين والدول الأعضاء بجامعة الدول العربية 1.72 تريليون يوان (نحو 241.61 مليار دولار أمريكي) خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2025، مسجلا رقما قياسيا لهذه الفترة وارتفاعا بنسبة 3.2 بالمائة على أساس سنوي، وفقا لما أظهرته بيانات رسمية صينية.
‏ويتواصل تعزيز التعاون بين الجانبين بفضل التكامل بين الاقتصاد الصيني واقتصادات دول الجامعة العربية، وهيكل التجارة متبادل المنفعة.
‏وتعتبر الطاقة مجالا مهما للتعاون التجاري بين الجانبين، وتواصل النمو في تجارة الطاقة بين الصين والدول العربية، كما شكلت تجارة الطاقة نصف إجمالي التجارة الثنائية في العام 2022.
‏ومن يناير إلى يوليو من العام الجاري، استوردت الصين أكثر من 40 بالمائة من وارداتها من النفط الخام من دول الجامعة العربية، وخلال الفترة نفسها، صدرت الصين معدات ومنتجات إلكترونية بقيمة 557.66 مليار يوان إلى دول الجامعة، ما يمثل نحو 60 بالمائة من إجمالي صادراتها إلى هذه الدول.
‏وطرحت الصين عددا من مبادرات التعاون، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق، لمواصلة تعزيز الدعم الأساسي للتعاون بين الصين والدول العربية.
‏في العراق، التزم الاستثمار الصيني بإعادة الإعمار وبناء مجتمع أكثر استقرارا، في إطار مبادرة الحزام والطريق التي ساعدت على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من أكثر من 20 مليار دولار العام 2015 إلى ما يزيد عن 54 مليار دولار العام 2024.
‏بعد سنوات من الاضطرابات والصراعات التي أضعفت المجتمع وأرهقت البنية التحتية في بعض الدول العربية، برز التعاون مع الصين كعامل استقرار مهم، خاصة في مشروعات إعادة الإعمار والتنمية المجتمعية.
‏و في العراق، ساهمت الشركات الصينية في بناء محطات كهرباء وجسور وطرق ومدارس ومستشفيات ومطارات، ومن أبرز هذه المشروعات مشروع "ألف مدرسة"، ومشروع محطة كهرباء واسط الحرارية التي تُعد الأكبر في البلاد وتوفر الكهرباء لملايين المواطنين، إلى جانب مشاركة الشركات الصينية في مشاريع حقول النفط شرقي بغداد والرميلة والحلفاية وغيرها، في ضمان استقرار وزيادة إنتاج النفط العراقي، ولم تقتصر المساهمة على ذلك فحسب، بل جلبت أيضًا التقنيات والأفكار الصينية المتقدمة، مما ساعد بشكل كبير في دفع تطوير حقول النفط الذكية والخضراء.
‏وقال الدكتور يعرب محمود أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية، إن العلاقات العراقية الصينية قديمة ومتنوعة وتقوم على المنفعة المتبادلة وبعيدا عن التدخل في الشؤون الداخلية، ولقد ساهمت الشركات الصينية بشكل كبير في إعمار البنى التحتية المتضررة وتطوير حقول النفط وبناء المرافق الحيوية، وهو ما يعزز الثقة بين الجانبين.
‏من خلال هذه المشروعات، يتجسد دور الصين في دعم الاستقرار وإعادة بناء المجتمعات، لتتحول من مناطق متأثرة بالصراع إلى بيئات أكثر استدامة وقدرة على النمو.
‏في الصورة الملتقطة يوم 18 سبتمبر 2024، منظر لمنطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، شرق القاهرة، مصر. (شينخوا)
‏-- التقدّم نحو المستقبل: توافق استراتيجيات التحوّل
‏تسعى الدول العربية إلى تنويع اقتصاداتها والتحول نحو التنمية المستدامة، تظهر مصطلحات مثل الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة والتحول الأخضر بشكل متكرر في رؤى واستراتيجيات التنمية في دول الشرق الأوسط، وهو ما يفتح آفاقا جديدة أمام التعاون مع الصين في هذه المجالات.
‏في السنوات الأخيرة، أحرزت الصين والدول العربية تقدمًا هائلاً في التعاون في مجال الطاقة المتجددة، وقد أنشأت الصين أكبر وأشمل سلسلة صناعة طاقة جديدة في العالم، وتوفر الصين أكثر من 80 بالمائة من وحدات الطاقة الكهروضوئية في العالم و70 بالمائة من معدات طاقة الرياح.   
‏وبفضل مبادرة الحزام والطريق، تُطبّق الخبرات والمعدات الصينية في المنطقة العربية، مما يُساعد الدول العربية على تحسين استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة.
‏ويرى مركز أبحاث "Geopol Report" الشرق أوسطي أن مشاركة الصين في مشاريع البنية التحتية للطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي جعلتها شريكا رئيسا في تحول الطاقة في المنطقة.
‏وأكدت مشاعل بن سعيدان، عضو اللجنة التنفيذية لمجلس الأعمال السعودي الصيني، أن الصين شريكا استراتيجيا رئيسا في دعم رؤية السعودية 2030 التي تستهدف تحقيق التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، إذ تجاوزت الاستثمارات الصينية في المملكة 21.6 مليار دولار بين 2021 و 2024، شملت الطاقة النظيفة، والعقارات، والبنية التحتية الذكية والصناعات المتقدمة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 130 مليار دولار سنويًا، مما يعكس استقرار الشراكة وآفاق نموها.
‏كما توسعت الشراكة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، بما يعزز قدرات المملكة على تحقيق تحولها الاستراتيجي، ويعمل الجانبان في مشاريع بقدرات تتجاوز 30 جيجاواط في الطاقة الشمسية والرياح مع فرص كبيرة للتعاون في الهيدروجين الأخضر وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، ما يعزز أهداف السعودية في الوصول للحياد الصفري بحلول 2060.
‏وفى السياق ذاته، قال أبوبكر الديب مستشار المركز العربي للبحوث والدراسات المصري إن التعاون بين الصين والدول العربية شهد خلال العقد الأخير تطورا لافتا، واصبح يتجاوز مجرد التبادل التجاري ليأخذ طابعا استراتيجيا واضحا، خاصة في مجالات حيوية مثل الطاقة، والبنية التحتية، والعلوم والتكنولوجيا.
‏وتعتبر الصين أحد أكبر الشركاء الاقتصاديين لمصر، حيث تشارك في مشروعات استراتيجية تؤثر مباشرة على البنية التحتية والاقتصاد، ومن أبرزها المنطقة التجارية المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، التي تنفذها شركة CSCEC الصينية، وتشمل ناطحات سحاب، ومراكز أعمال، وفنادق، لتقديم نموذج حديث للمدن الذكية.
‏كما تشارك الصين في تطوير مشروعات النقل الذكي مثل القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة، إضافة إلى استثماراتها في الطاقة المتجددة مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان، أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم.
‏وفي مجال التعليم والبحث العلمي، أطلقت مبادرات لإنشاء مراكز تدريب تكنولوجي تهدف إلى نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية، بما يتماشى مع أهداف مصر للتحول الرقمي والتنمية المستدامة.
‏تونسيون يشترون الأطعمة من سوق في تونس في أول مارس 2025 مع قدوم شهر رمضان. (شينخوا)
‏-- التعاون والتوجه إلى الصين: آفاق أوسع للشراكة
‏منذ دورته الافتتاحية العام 2013 يُعقد معرض الصين والدول العربية كل عامين، وأصبح منصة مهمة للجانبين لتعميق التعاون العملي ودفع التنمية عالية الجودة لمبادرة الحزام والطريق.
‏وبفضل هذه الآلية، تعمّق التعاون الصيني العربي في مختلف المجالات وأصبح أكثر عملية، ونشطت التبادلات والتعاون على جميع المستويات، وشُجّعت الدول والشركات في المنطقة على تقاسم فرص التنمية.
‏وتزايدت أهمية السوق الصينية أمام المصدرين التونسيين، خاصة بعد إعلان الصين في يونيو 2025 عن الإعفاء الجمركي الكامل على واردات الدول الإفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، هذا القرار فتح الباب أمام دخول المنتجات التونسية عالية الجودة إلى السوق الصينية بسرعة أكبر.
‏وفي هذا الصدد، قال أحمد بوجبل، أحد كبار مصدّري التمور في تونس، "الصين سوق واعدة، والطلب المتزايد على المنتجات الصحية هناك يمثل فرصة مثالية لمنتجاتنا من تمور (دقلة نور) الفاخرة".
‏ويضيف بوجبل أن شركته تنتج أكثر من 20 ألف طن سنويًا، مخصصة بالكامل للتصدير، مؤكدا أن التمور التونسية الأقل حلاوة مقارنة بأنواع أخرى، ما يجعلها أكثر ملاءمة للذوق الصيني، ويخطط للمشاركة في المعارض التجارية في الصين قريبا للعثور على شركاء محليين.
‏كما أوضح وزير التجارة التونسي سمير عبيد أن حجم التجارة بين تونس والصين بلغ 9.2 مليار دينار تونسي (حوالي 3 مليارات دولار أمريكي) العام 2024، بزيادة 8 % عن العام السابق، مضيفا أن الجانبين يعملان على تسريع التعاون في مجالات اللوجستيات والمالية والجمارك لدعم دخول المنتجات التونسية إلى السوق الصينية.
‏وتواصل الصين تعميق تعاونها الزراعي مع جامعة الدول العربية، ودعم تطوير الزراعة الحديثة في دولها، وتوسيع وارداتها من المنتجات الزراعية المتخصصة، وفي الأشهر السبعة الأولى، ارتفعت صادرات الصين من الآلات الزراعية وبذور المحاصيل إلى جامعة الدول العربية بنسبة 10.5 % و 10.4 % على التوالي على أساس سنوي.
‏وبلغت واردات المنتجات المائية الصالحة للأكل من عُمان مستوى قياسيا خلال الفترة نفسها، بينما زادت واردات الفراولة المجمدة من مصر، والشوكولاتة من لبنان، والصوف من الجزائر بنسبة 54.7 % و38.2 % و12.8 % على التوالي.
‏هذه التوجهات تعكس شراكة عملية تعزز التكامل الاقتصادي وتفتح آفاقا أوسع للتعاون في قطاعات الزراعة، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، بما يتماشى مع متطلبات التنمية في الجانبين.
‏وتعكس الشراكة الصينية - العربية نموذجا متطورا يقوم على الاستقرار والتقدّم والتعاون، حيث تمتد من دعم إعادة الإعمار وتعزيز التنمية الاجتماعية، إلى مواءمة استراتيجيات التحول الاقتصادي، وصولا إلى توسيع آفاق التجارة والاستثمار.
‏وبفضل عدد من المبادرات التعاونية، تسير الصين والدول العربية معا نحو بناء مسارات تنمية شاملة ومستدامة في ظل عالم يواجه تحديات اقتصادية معقدة.
‏وفي ظلّ تصاعد الاتجاهات العالمية من الفوضى والتراجع والتشرذم، شقّ التعاون الصيني العربي، القائم على أسس راسخة من الثقة المتبادلة، والارتقاء الصناعي التدريجي، والتعاون متعدد الأطراف، طريقا للتنمية المربحة للجميع، ليصبح نموذجا للتعاون في عصر انحسار العولمة.
‏ومع انعقاد النسخة السابعة من معرض الصين والدول العربية، تقف العلاقات الصينية العربية عند نقطة انطلاق جديدة، وستزداد وتيرة البناء المشترك لمبادرة الحزام والطريق، وتعزيز بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية، قوة وثباتا، مما يُضفي مزيدا من اليقين وزخما جديدا على الحوكمة العالمية والتعاون فيما بين بلدان الجنوب.
‏وكالة شينخوا
‏.