التزييف الرقمي… الطفولة في مرمى الخوارزميات !

نبض البلد -

عماد عبدالقادر عمرو

حين قالت رئيسة الوزراء الدنماركية إن عمالقة التكنولوجيا يسرقون طفولة الأطفال، لم يكن هذا مجرد تصريح سياسي أو خطاب إعلامي معتاد. كان انعكاساً صادقاً لقلق عميق تجاه عالم بدأ يفقد السيطرة على أدواته الرقمية. التكنولوجيا، التي وُجدت لتسهيل حياتنا، تجاوزت حدودها وبدأت تترك أثراً ثقيلاً على وعي الأطفال ونموهم النفسي.

وفي حين أن دولة متقدمة مثل الدنمارك تمتلك منظومة تعليمية قوية وتشريعات واضحة، فإن المخاطر في العالم العربي، بما في ذلك الأردن، تبدو أكثر تعقيداً. فقد دخل الهاتف الذكي حياة الأطفال بسرعة فاقت قدرة المجتمع على الاستيعاب والتنظيم. أصبح جزءاً من يومهم، وسيلة للترفيه والتواصل، ونافذة على عالم لا يناسب أعمارهم ولا يراعي هشاشتهم.

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي تُستخدم بها، وفي المحتوى الذي يصل إلى الأطفال دون ضوابط حقيقية. شاشة صغيرة تسرق الوقت، تضعف التركيز، تؤثر على العلاقات الأسرية، وتعيد تشكيل القيم والسلوكيات بهدوء وصمت. كثير من الآباء اليوم يعترفون أنهم لا يعرفون فعلياً ما يشاهده أطفالهم، ولا إلى أي عوالم يأخذهم الهاتف كل يوم.

الأمر لا يحدث فجأة… بل بصمت.

وفي هذا السياق، يبرز تحذير الرئيس التنفيذي لمنصة إنستغرام حول مستقبل التزييف الرقمي، حيث يصبح إنتاج محتوى صوتي ومرئي لأشخاص حقيقيين أمراً متقناً للغاية، يصعب معه التمييز بين الحقيقي والمصنوع. هذه الثورة الرقمية لا تهدد وعي الأطفال فحسب، بل تضع الحقيقة نفسها موضع تساؤل. فالصورة التي كانت دليلاً، والصوت الذي كان برهاناً، لم يعدا كذلك في عالم يمكن فيه تزوير كل شيء.

الأطفال هم الأكثر تأثراً بهذا الواقع. فالطفل الذي لم تتشكل لديه مهارات التفكير النقدي قد يتعامل مع المحتوى المزيف باعتباره حقيقة، ويبني على أساسه مشاعره ومواقفه وتصوراته عن العالم. ومع الوقت، يصبح الخطر ليس في تصديق معلومة خاطئة فحسب، بل في فقدان الثقة بكل ما يُرى ويُسمع، وهو أمر يترك آثاراً نفسية ومعرفية عميقة.

المسؤولية جماعية. شركات التكنولوجيا تتحمل دوراً كبيراً، لكنها ليست وحدها. هناك حاجة إلى تشريعات تحمي الأطفال في الفضاء الرقمي، ونظام تعليمي يعزز التفكير النقدي والوعي الإعلامي، وأسر أكثر حضورا وفهماً لما يعيشه أبناؤها في العالم الرقمي. حماية الأطفال اليوم ليست مجرد ضبط وقت الشاشة، بل بناء وعي قادر على التمييز والفهم والمساءلة.

في الأردن، يشهد الملف الرقمي تطوراً ملحوظاً على كافة المستويات لمواكبة مستجدات المستقبل، ويتولى سمو ولي العهد إدارة هذا الملف بنفسه، لضمان قدرة المملكة على استيعاب ثورة الذكاء الاصطناعي المتسارعة. هذه الجهود تضمن استفادة الأطفال والمجتمع من التكنولوجيا دون المساس بطفولتهم أو تشويه تجربتهم الإنسانية.

في هذا العصر الذي يختلط فيه الواقع بالوهم، وتذوب فيه الحدود بين الحقيقي والمصنوع، إذا لم نتحرك بوعي ومسؤولية، سننشئ جيلًا متصلًا بالعالم الرقمي، لكنه منفصل عن ذاته وفهمه للواقع. الطفولة ليست مرحلة عابرة، بل هي حجر الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل، وحمايتها في زمن التزييف الرقمي واجب جماعي عاجل لا يحتمل التأجيل.

رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً