نبض البلد - بقلم د. أيوب أبودية
أكتب هذه المقالة بوحي من ذاكرة صديقي الأستاذ رشيد الخصاونه الذي قال لي مؤخرا أنه ما زال يتذكر تعريف الدكتور أحمد ماضي في الثمانينيات من القرن الماضي في جامعة اليرموك عندما درس عليه الفلسفة قوله: "الدهشة وحب الاستطلاع هما أساس الفلسفة"، ورغم أن هناك تعريفات عديدة للفلسفة، منها ما هو أكثر تعقيدا، ولكن يبدو أن هذا التعريف ترك أثرا كبيرا في نفس رشيد الخصاونه بحيث حمله معه هذه العقود كلها. وهذا ما هو مطلوب من تدريس الفلسفة اليوم.
فكلما تقدّم الإنسان في العمر، تقلّ دهشته من العالم حوله، ولكن أسباب الدهشة تتبدّل بتقدمه في العمر وتغير بيئته. فعند الطفولة يدهشنا كل شيء جديد، بدءا من صوت الوالدين، مرورا بأصوات وألوان وشخوصات لا حصر لها، أما في مرحلة الشباب فنستمر في الاندهاش من كل ما هو جديد لأنه جديد نتطلع للتعرّف إليه، وفي الشيخوخة نندهش لأن ما نراه يحدث لم نكن نتصوّر أنه ممكن أصلًا. وأنا اليوم، في هذه المرحلة من حياتي في السبعين من عمري، أقف أمام ثلاث ظواهر كبرى لا تكفّ عن إدهاشي، بل عن إرباكي أحيانًا، لأنها تناقض المعايير المجتمعية والأخلاقية التي نشأت عليها، وآمنت بها، وتختلف عن ما حسبته بديهيًا في مسار التطور العقلاني للبشرية.
أول هذه الدهشات هو مقدار الدعم الذي تقدّمه بعض الدول الراسمالية المؤثرة للكيان الصهيوني، رغم ما يُرتكب من إبادة جماعية واضحة في غزة ولبنان، وكيف تقود الصهيونية الولايات المتحدة من رقبتها إلى حرب مدمرة. لكن ما يدهشني على وجه الخصوص هو موقف بريطانيا وألمانيا. أتابع الأخبار فأرى الشرطة البريطانية تعتقل رجالًا ونساءً تجاوزوا الثمانين من أعمارهم، فقط لأنهم تظاهروا سلمياً دعمًا لفلسطين ورفضًا للابادة الجماعية. هنا لا يسعني إلا أن أقارن؛ لقد درست في بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، وعشت زمنًا كانت فيه الحرية تكاد تكون مطلقة. كنا، نحن الطلبة، نقف في المنتديات والحدائق العامة، نهاجم الحكومة البريطانية، نرفع شعارات قاسية، ولم يكن أحد يوقفنا أو يجرؤ على اعتقالنا. كانت حرية التعبير آنذاك قيمة راسخة، وكان الهايد بارك في لندن مرسحاً لهذه الحرية، بشرك ألا تَمسّ حرية الآخرين في التعبير عن آرائهم أيضاً. أما اليوم، فأرى تلك الحرية تتآكل أمام سطوة الهيمنة اليمينية على السياسة، ونشر الخوف، وأتساءل هنا مندهشا: كيف انقلبت المعايير إلى هذا الحد؟
الدهشة الثانية أكثر إيلامًا، لأنها تخصّنا نحن العرب. فلم يخطر في ذهني يومًا، حتى في أكثر لحظات التشاؤم، أن يصل حال العالم العربي إلى هذا المستوى من التراجع والضعف. كنّا نحلم بوحدة عربية من المحيط الى الخليج، نختلف نعم، نخطئ كثيرًا، لكن كان هناك أفق، وإحساس بالكرامة والكبرياء، وشعور بأننا جزء فاعل من التاريخ. اليوم يبدو المشهد مختلفًا: انقسام، عجز، ارتهان، وصمت ثقيل أمام المآسي الكبرى، وعلى رأسها مأساة فلسطين. ما يوجعني ليس فقط ضعف الأنظمة، بل تآكل الثقة بالنفس، وتراجع قدرات طلبتنا على القراءة باللغة العربية التي هي العنصر الأساس للوحدة، وبات الشعور العام وكأن الهزيمة لم تعد حدثًا طارئًا بل حالة مستدامة. هذا التحول لم أكن أتصوره قط، وما زلت عاجزا عن التكيّف معه.
أما الدهشة الثالثة فهي على النقيض تمامًا، دهشة ممزوجة بالإعجاب. إنها التطور الهائل في التكنولوجيا الرقمية. في السبعينيات، كانت الحواسيب في بداياتها الأولى، ضخمة وبطيئة، وعملتُ عليها في جامعة مانشستر البريطانية بشغف الباحث عن المستقبل. كنا نظن أننا في ذروة التقدم. واليوم، وأنا أضع في جيبي هاتفًا خلويًا يفوق في قدراته تلك الحواسيب بمراحل لا تُحصى، فأدرك أنني عشت قفزة حضارية لم يشهد مثلها معظم البشر في تاريخهم. ثورة معرفية رقمية غيّرت طرائق المعرفة، والتواصل، والوعي، وربما غيّرت الإنسان نفسه.
بين هذه الدهشات الثلاث، أقف متسائلًا:
كيف يجتمع هذا التقدم المذهل مع هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي؟
وكيف يتراجع معنى الحرية والعدالة في عالم يمتلك أدوات المعرفة كلها؟
لعلها أسئلة الشيخوخة، أو أسئلة إنسان عاش زمنين متناقضين، وما زال يحاول أن يفهم كيف وصلنا إلى هذا الحال المتردي رغم التطور الرقمي الهائل من حواسيب بحجم الغرفة في السبعينيات إلى ما نشاهده اليوم من صغر حجم الأجهزة وكفاءتها العالية وقدرتها على تخزين المعلومات وتحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وبين دهشةٍ تُوجع ودهشةٍ تُربك ودهشةٍ تُلهم، يبقى السؤال مفتوحًا لا يشيخ: ماذا سنفعل بكل هذا الوعي الذي بين أيدينا؟ لقد بلغ الإنسان ذروة غير مسبوقة في امتلاك أدوات المعرفة، لكنه ما زال يتعثر في أبسط امتحانات العدالة والكرامة والحرية. ولعل المفارقة الأقسى في زمننا ليست في ما نجهله، بل في ما نعرفه ونتجاهله. إن التاريخ لا يقيس الأمم بما تملكه من قوة أو تقنية، بل بما تحافظ عليه من قيم. فإذا كانت الشيخوخة تمنحنا صفاء الرؤية، فإن واجب الأجيال القادمة أن تحوّل هذه الرؤية إلى فعل؛ فعل يعيد التوازن بين العقل والأخلاق، وبين التقدم والإنسان. وإلا، ستبقى دهشتنا مجرد شاهدٍ صامت على زمنٍ عرف كثيرًا... وفعل قليلًا.