نبض البلد - نحن أبناء هذه الأرض، والعدالة في مواجهة التطرف
ليث حبش
لم أكن أتخيّل يومًا أن يصبح الذهاب إلى الكنيسة في الأردن محاطًا بهذا القدر من القلق، أو أن يصل العنف إلى مكان يُفترض أن يكون ملاذًا للصلاة والسلام لكن الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وما خلّفه من شهداء ومصابين ووجع في قلوب الأردنيين، أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤلمة عن حرية العبادة ومعنى الانتماء إلى الوطن.
ما حدث ليس مصابًا يَخصُّ المسيحيين وحدهم، بل جرح أصاب الأردن كله فالاعتداء على مواطن بسبب دينه أو استهدافه في مكان عبادته ليس اعتداءً على جماعة بعينها، بل على قيم الوطن وكرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان.
أقولها بوضوح: نحن المسيحيين أبناء هذه الأرض، وجزء أصيل من تاريخها وهويتها وحاضرها ومستقبلها.. انتماؤنا ليس منّة من أحد، ومواطنتنا ليست امتيازًا قابلًا للسحب، وحقنا في الأمن والعبادة لا يحتاج إلى تبرير. نحن أردنيون، لنا ما لكل مواطن من حقوق، وعلينا ما عليه من واجبات.
ولهذا، لا أجد أن كلمة «التعايش» تُعبّر دائمًا عن العلاقة التي نطمح إليها بين أبناء الوطن الواحد، فالتعايش قد يُوحي أحيانًا بأننا جماعات متباعدة تحاول تحمّل وجود بعضها بعضًا، بينما الحقيقة أننا أبناء بلد واحد، تجمعنا الأرض والتاريخ والمصير.. لا نريد أن يُسمح لنا بالعيش، بل نريد أن نعيش مواطنين متساوين، لا تميّز بيننا ديانة، ولا تنتقص من حقوقنا هوية.
لسنا فقط «ملح الأرض» في عبارة جميلة تُقال في المناسبات؛ نحن أبناء الأرض نفسها، وشركاء في بنائها، وجزء من حكاية الأردن التي كتبتها أجيال من أبنائه لا نطلب مكانًا إضافيًا لنا، بل نؤكد أن مكاننا أصيل، وأن علاقتنا بهذا الوطن لا تختصرها حادثة مهما بلغت قسوتها.
لطالما راودني سؤال كلما رأيت رجال الأمن يقفون أمام الكنائس في الأعياد والمناسبات الدينية: لماذا كل هذه الحراسة؟ كنت أرى الذهاب إلى الكنيسة للصلاة أمرًا طبيعيًا في بلدٍ اعتاد أبناؤه أن يتشاركوا الأفراح والأحزان لكن ما حدث في الكرك جعلني أفهم بصورة أعمق حجم المسؤولية التي يتحملها رجال الأمن لحماية الأرواح، والحفاظ على قدرة المواطنين على ممارسة حياتهم وشعائرهم بطمأنينة.
فالأمن ليس مجرد شعور نعتاد عليه، بل جهد ويقظة ومسؤولية ومن حقنا أن نُثمّن كل جهد يُبذل لحماية المواطنين ودور العبادة، وأن نُطالب في الوقت نفسه بكشف ملابسات الاعتداء كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وضمان الرعاية اللازمة للمصابين وصون حقوق الشهداء وأسرهم. فالعدالة هي الطريق إلى مواجهة التطرف، والقانون هو الضمانة التي تحمي الجميع.
ومع كل هذا الألم، أقول إن ما حدث لن يجعلنا نخاف من الذهاب إلى كنائسنا، ولن ينتزع منا حقنا في الصلاة سنعود إلى كنائسنا، وسنرفع صلواتنا، وسنواصل حياتنا وعملنا ومشاركتنا في بناء الأردن. ليس لأن الوجع بسيط، بل لأن إيماننا وانتماءنا إلى هذه الأرض أكبر من أن تهزمهما جريمة.
وفي هذه اللحظة، لا نحتاج إلى الشائعات أو الاتهامات العشوائية، ولا إلى خطاب يحوّل المأساة إلى سبب للفرقة نحتاج إلى الحقيقة والعدالة، وإلى موقف وطني واضح يرفض التطرف والتحريض والكراهية، ويؤكد أن الاعتداء على أي مواطن هو اعتداء على الجميع فالوحدة الوطنية لا تُقاس بالكلمات التي نرددها في الأوقات السهلة، بل بمواقفنا حين يتألم أحدنا، وبقدرتنا على حماية بعضنا بعضًا في أصعب الظروف.
إن الأردن الذي نريده هو وطن لا يشعر فيه أي مواطن بأن اختلاف جاره الديني تهديد له، وطن تكون فيه المواطنة أساس العلاقة بين الناس، والعدالة حقًا للجميع، وتبقى فيه الكنائس والمساجد أماكن للصلاة والسكينة، لا أهدافًا للعنف.
وجعنا واحد، وعدونا واحد، ومستقبلنا واحد لا نريد أن تتحول هذه الجريمة إلى حاجز بين الأردنيين، بل إلى تذكير بأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، وأن مواجهة الكراهية تبدأ برفضها أينما ظهرت، وبالتمسك بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف والعبادة.
قد يترك الإرهاب جرحًا عميقًا في قلوبنا، لكنه لا يملك حق تحديد هويتنا أو تقرير علاقتنا بوطننا لن نسمح للخوف بأن يختصر إيماننا، ولا للكراهية بأن تسرق منا معنى الانتماء سنبقى أبناء هذه الأرض، شركاء في حاضرها ومستقبلها، وسنبقى نؤمن بأن الأردن بيت لجميع أبنائه.
ومهما حدث، سنبقى أقوى؛ أقوى بوحدتنا، وبإيماننا، وبتمسكنا بالعدالة، وبرفضنا أن نردّ على الكراهية بكراهية مثلها سنبقى أقوى لأننا نعرف أن الوطن لا يُبنى بإقصاء أحد، وأن الدم الأردني واحد، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.
سنصلي من أجل شهدائنا، ومن أجل شفاء المصابين، ومن أجل أن يمنح الله العزاء لعائلاتهم، وأن يحفظ الأردن وأهله من كل شر وسيبقى إيماننا بالمحبة والرجاء أقوى من محاولات زرع الفرقة، وسيبقى انتماؤنا إلى هذا الوطن ثابتًا لا تهزه المحن.
المسيح قام، حقًا قام وليكن ذكر شهدائنا مؤبدًا، وليحفظ الله الأردن، أرضًا تجمع أبناءها بالمحبة والكرامة والعدالة.