عاجل
د. مهند العزة

مجزرة كنيسة الكرك والحلقة التي لا تنتهي

نبض البلد -
 د. مهند العزة

 مع كل مجزرة يرتكبها متطرفون في بلدنا أو في غيرها من البلاد، تتدفق العبارات المحفوظة التي لم ولن تقوَ على إقناع كل متبصر ولن تغير في الحقيقة شيء. يأخذ السواد الأعظم من الكتاب والمسؤولين والمحللين موقف المستنكر والمدافع في وقت واحد، فتجدهم يستنكرون بإخلاص وصدق لا يمكن التشكيك به ما وقع من عدوان آثم، ثم مباشرةً يختمون بالعبارة التي تستغيث لكثرة ما استهلكت دون نتيجة: "هذا لا يمثل الفكر الصحيح ولا القيم الحقيقية عندنا”. ولو كان هؤلاء يتحدثون عن فكرهم وقيمهم هم، لكان ذلك مستساغاً ومقبولا، أما أن ينزلوا هذا القول على الثقافة الرائجة والفكر والقيم المتجذرة؛ فهنا نحتاج لوقفة لطالما نادينا بها منذ سنوات وهوجمنا وتم تكفيرنا وزندقتنا حتى ممن يدّعون الاعتدال مع كل جريمة تقع من عصابات التطرف الديني.
 لا ريب أن داعش والقاعدة وغيرها من الجماعات الإرهابية في العراق وبلاد الشام وحتى في باكستان وإفريقيا؛ تقلت ضربات موجعة ساهمت في خبو جذوتها وتفكك قواعدها وتشتت رهابييها. إلا أن ما يرفض حتى المتعقلين عندنا الإقرار به هو أنه يمكن القضاء على المتطرفين في زمن ومكان ما، لكن لا يمكن القضاء على التطرف دون مواجهة صادقة مع النفس ونقد موضوعي لما نلقمه ونسقيه لأطفالنا من نصوص وقصص وأفكار لو نزعنا عنها صفة القداسة لكونها مستمدة من مصدر ديني، لبدت بشاعتها ووحشيتها جليةً للجميع. أما أن يكبر أطفالنا على تمجيد كل ما قام به أسلافنا دون تعقّل وتمحيص، بحيث نروي بفخر ونمجّد ما ارتُكِب في الماضي من إبادة وقتل وتنكيل بشعوب بأكملها، ونهب ثروات بلدانهم ومحو إرثهم الثقافي كما حدث في احتلال فارس ومصر التي يروي ابن خلدون وغيره أن سعد بن أبي وقاس أحرق مكتبة كسرى، وأن عمرو بن العاص أراد هدم الأهرام، لكن حال بينه وبين ذلك صعوبات لوجستية. تدريس مثل هذه الوقائع للأطفال أو لطلبة الكليات ومرورها دون استنكار ممن يدرسونها، سوف يؤدي حتماً إلى ظهور أمثال طالبان وغيرهم من الدواعش الذين صبوا حنقهم وجهلهم على تماثيل بوذا في أفغانستان وآثار تدمر في سوريا.
 في المقابل، تلقين وتلقيم طلبة الكليات والمدارس في وقت سابق وربما للآن، أحكام الجزية والتفاخر بالأسلاف الذين كانوا ينتشلونها من أهل الكتاب "وهم صاغرين"، والسماح بتداول ودراسة وتدريس كتب مثل كتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم الذي يطفح بالكراهية والدعوة للعنصرية وتحقير المخالف في الدين؛ سوف ينتج حتماً شئنا أم أبينا مجموعات تريد أن تعيد مجد الأجداد وتُمضي «حكم الله في الأرض».
 ما على كل مشكك فيما أقول إلا أن ينتظر اقتراب عيد الميلاد المجيد بعد شهرين، ليشاهد المشهد القميء المتكرر كل عام الذي يشارك فيه حتى من يصنفون أنفسهم بالمثقفين والمفكرين والوسطيين، حين تفيض مجارير منصات التواصل الاجتماعي بدعوات الكراهية وعدم تهنئة المسيحيين بعيدهم، وحينها سوف ترى كيف أن كل دعوة مذيَّلة باستدلال ديني يجاهد المحرجون مدّعي الوسطية والاعتدال ليجدوا له تأويلاً آخر.
 سوف يتم القبض على المجرمين منفذي الهجوم على المصلين في الكنيسة في الكرك، لكن متى ومن سوف يقبض على جذور التطرف ومصادره الطليقة التي تغذي كل من تجده في طريقها؟