عاجل
الدكتور خالد العاص

هجوم كنيسة الكرك... حين يصبح استهداف دور العبادة اعتداء على الوطن

نبض البلد -
د. خالد العاص
وضعت الجريمة التي استهدفت كنيسة الروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأردن أمام تحدٍّ يتجاوز التعامل مع حادث أمني مؤلم، إلى مواجهة ما يحمله العنف المتطرف من تهديد لوحدة المجتمع واستقراره، فحين تمتد يد القتل إلى مواطنين اجتمعوا في دار عبادة لتوديع أحد أحبائهم، فإن الاعتداء لا يطال الضحايا وعائلاتهم وحدهم، بل يمس منظومة القيم والعلاقات الإنسانية التي تجمع الأردنيين على اختلاف معتقداتهم. ومن هنا، تبرز ضرورة النظر إلى ما جرى باعتباره قضية وطنية تستدعي كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، إلى جانب مراجعة جادة للخطاب الذي يغذي التعصب ويمنح الكراهية مساحة للتحول إلى عنف.
والكرك، بما تحمله من تاريخ وطني واجتماعي، ليست مجرد موقع جغرافي لهذه الجريمة، فهي جزء من ذاكرة أردنية تشكلت عبر عقود من التعايش والشراكة بين المسلمين والمسيحيين، الذين لم يكونوا يوماً جماعتين منفصلتين تتقاسمان المكان، بل كانوا مواطنين تجمعهم الأرض والمصالح والمصير، ولهذا فإن استهداف كنيسة فيها يحمل دلالة تتجاوز الاعتداء على مؤسسة دينية؛ إنه محاولة لضرب الثقة التي يقوم عليها المجتمع.
لكن خطورة الحادثة تستدعي الانتقال من الإدانة، على ضرورتها، إلى قراءة أعمق؛ فالتطرف لا يبدأ دائماً بالسلاح، وإنما قد يبدأ بخطاب يقسم المواطنين وفق معتقداتهم، أو يبرر إقصاء المختلف، أو يحول التعصب إلى موقف مقبول اجتماعياً، ومواجهة هذا المسار مسؤولية تتوزع بين المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية، ولا يجوز تحميل الأجهزة الأمنية وحدها عبء التصدي له.
وفي المقابل، فإن التعامل مع الجريمة يتطلب تحقيقاً مهنياً شفافاً يكشف ملابساتها ودوافعها والجهات المتورطة فيها، بعيداً عن الشائعات والتفسيرات المتسرعة، فليس من الحكمة تحويل الغضب المشروع إلى اتهامات غير مثبتة، كما لا يصح الاكتفاء بالحديث عن تماسك المجتمع من دون مراجعة ما تكشفه مثل هذه الاعتداءات من تحديات أمنية وفكرية تستحق المعالجة.
وتزداد خطورة هذه الحادثة في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات عميقة، استُغلت فيها الانقسامات الدينية والمذهبية لإثارة الفتن وتمزيق النسيج الاجتماعي وإضعاف الدول. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك أمنه مع محيطه الإقليمي، ليس بمعزل عن تداعيات هذه الأوضاع، الأمر الذي يجعل حماية وحدته الوطنية وتماسك مجتمعه أولوية لا تحتمل التهاون، ومع ذلك، فإن خطورة الجريمة لا تبرر التسرع في ربطها بجهات أو تطورات خارجية دون أدلة، إذ تبقى نتائج التحقيقات وحدها الأساس لتحديد دوافعها وكشف المسؤولين عنها.
والأهم أن حماية المسيحيين في الأردن ليست مسألة تخص طائفة بعينها، ولا واجباً تمليه اعتبارات التسامح وحدها، بل هي التزام دستوري ووطني بحماية جميع المواطنين وحرية عبادتهم، فالمسيحيون جزء أصيل من تكوين الدولة والمجتمع، وأمنهم لا ينفصل عن أمن المسلمين، مثلما أن الاعتداء على كنيسة لا يختلف في خطورته الوطنية عن الاعتداء على مسجد أو أي مكان يجتمع فيه الأبرياء.
لقد أصاب هجوم الكرك أهلنا وعائلاتنا الأردنية في الصميم، ولم يكن مصابهم شأناً عائلياً أو محلياً، بل جرحاً أصاب الوطن بأسره. ويستحق ضحايا هذه الجريمة العدالة، ويستحق المجتمع معرفة الحقيقة كاملة. أما الرد الوطني الأعمق، فلا يقتصر على التضامن مع أهلنا بعد وقوع الجريمة، بل يتمثل في حماية دولة القانون، وتجفيف منابع التحريض، وترسيخ المواطنة التي لا تميز بين أبنائها.
فالمعركة الحقيقية ليست لحماية كنيسة وحدها، بل لحماية الأردن الذي يجب أن يبقى وطناً آمناً لجميع أبنائه، لا مكان فيه لمن يحاول تحويل الاختلاف الديني إلى باب للقتل والفتنة.