نبض البلد - سليم النجار
من خلال لغة خاطفة مشبعة بالإيحاء والتكثيف، يفجر السؤال: لماذا؟ على لسان الذاكرة في وجه الظلم الذي تعرض له الإنسان السوري، وشكّل علامة فارقة تزيد من إحساس المتلقي بالوجع والصدمة والوحشة المفتوحة على مضامين لا تنطفئ بسؤال: لماذا؟ «أكتب هذه الكلمات والتي، إن سمح لي غسان كنفاني أو نجيب محفوظ أن أسميها رواية، فسأسعد بهذا» (ص 7).
ومن الآراء التي وظفها الكاتب خليف، التي تبدو ذات طابع قسري وتملك حظًا من الواقعية والأدلة الواضحة، ذلك الرأي الذي يصدر عن الراوي؛ إذ يرى أن روايته تشكل شكلين للحكاية، وكأننا أمام قصة قصيرة جدًا، قائمة على التفريع والتقنين والتشقيق: «بدأت الحكاية عندما كنت في منزلي الصغير، أكتب بعض العبارات، ثم أقوم بنقلها إلى حسابي عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي» (ص 9).
ونحن هنا نجد أن اللغة المستعملة في رواية «من رحم الشيطان»، في وصف الفارق بين الاستهلال القصصي في الرواية، بحاجة إلى ضبط المشهدية الروائية ودلالاتها، بغض النظر عن خطف البصر للقارئ؛ فاستبعاد الدلالة المؤقتة لصالح الأهم حسب رؤية الكاتب أحمد. فالإنسان في طبيعته الفطرية يمتلك هويته الاجتماعية والسياسية: «فما حدث لسوريتي هو اغتيال لحضارتها وأبنائها ومقدساتها» (ص 15).
وبحكم التكثيف الشديد لفضاء السرد القصير في رواية «من رحم الشيطان»، فإن من المتوقع ألا يرهن المبدع سرده إلى الرأي الواحد، بل التنوع هو ما لجأ إليه، كما أبدع رؤية تجلياتها مشاهد درامية هي، في حقيقة الأمر، استجابات للحياة القاسية: «عادت سنفونية الموت إلى حياتي مجددًا، سابقًا حين كان يموت أحد الأصدقاء، إبان الثورة السورية» (ص 29).
يلحظ القارئ للرواية أنه لا يجد تنميطًا للسرد، أو الركون لمقولات جاهزة يجتر معانيها إجابات جاهزة لأسئلة مكررة، وأفكارًا مجزأة ومختارة تخدم قتلة الإنسان: «لعنة الموت اللي مرافقتي، ما بتعرفي لعنة الموت» (ص 33).
كما أن الخطاب الروائي يجد سردًا فسيحًا في استغوار البنى والتشكيلات والأحداث والفضاء، في التحليل والمقاربات التطبيقية لمفاصل الحياة تحت منظومة الموت: «مجموعة من الأحلام المضطربة كالعادة، أنا من الذين يحلمون في نومهم» (ص 57).
وإذا كانت الرواية لوحة، والسرد صورة، مسميات استخدمت في فضاء الرواية، حيث أقرب إلى الطبيعة واللقطة المبتكرة، وفي اللقطة ما يمكن ابتكاره وتجاوزه إلى شكل تكون اللقطة الروائية مميزة: «مجتمعاتنا مع الأسف تتجرع وتستنشق الكثير من التشرد والجهل والفقر والجوع والحاجة، وهذه الأسباب تؤدي إلى انحلال الأخلاق وفساد الأفراد» (ص 58).
إن مصطلحًا كاسم رواية «من رحم الشيطان» دالًا على نمط قصصي، بدليل انطفاء السرد لصالح الصورة والمتخيل، في مقابل اسم الرواية، الذي حمل عنوانًا صادمًا. استخدم الكاتب، في هذا السياق، العنوان كرواية قصيرة تفتح سردًا طويلًا يجعل الرابط بينهما جدلًا مثيرًا: «رفعت رايتي البيضاء وأعلنت استسلامي للحياة بكل سهولة، أصبحت أقاوم بيدي وبدأت أخرج رأسي من الماء تارة، ويسحبني الماء إليه تارة» (ص 78).
استطاع الروائي اجتراح أسلوب قصصي يختم به روايته، كأنها بداية جديدة لكتابة رواية أخرى، وليست الرواية التي بين أيدينا. فالبداية الجديدة لا تكون مسح الرواية القديمة أو الرواية التي خرجت من رحم الشيطان: «كبرت للدرجة التي أتمنى فيها أن أعود طفلًا، لا أفقه عن كل ما كتبته شيئًا» (ص 98).
لا ينغلق قوس تجربة رواية «من رحم الشيطان» عند هذا الحد، بل يمتد لاحقًا عبر إتاحة الفرصة التحفيزية لحياة إنسان جديد، يخرج من منظومة الشيطان، ويبحث عن حياة يستطيع العيش فيها، بعيدًا عن رحم الشيطان. فالرواية هي المشهد الأخير لمسرح الموت.