نبض البلد -
سعيد الصالحي
«وليد يرى النور» للكاتبة باسلة علي اسليم ليست مجرد رواية، ولا مجموعة خواطر متصلة بخيط رفيع، بل هي رحلة داخل النفس التي تبحث عن أشياء كثيرة، تارة في داخلها، وتارة فيما ومن حولها.
عندما تشرع بتقليب صفحات الرواية، تبدأ بالاستماع إلى إنسان يحادث نفسه وقد سمح لك بأن تصغي إليه، فربما تتسرب إليك خلاصة تجربة تعيشها كل يوم، وترفض أن تصغي إليها لأنك لا تملك الشجاعة للحكم على نفسك كما تمتلكها حين تحكم على الآخرين.
ومن الناحية الفنية، يتداخل أحيانًا صوت الراوي بصوت وليد، بطل الرواية، فلا ينتابك الشك أنهما صوتان لشخص واحد، أو لذات الألم، ولذات الحلم، يملكان الوعي ذاته، وتختلط بينهما التجربة، فلا تعود قادرًا، كقارئ، على التفريق بينهما للحظات. ومع ذلك، لا تشعر بشرخ، أو بلحن في النطق، أو اختلال في المعنى.
نجحت الكاتبة باسلة اسليم في رسم صور دقيقة للأحاسيس والمشاعر الداخلية للشخصية المحورية، وليد، وتمكنت ببراعة من نقلك بسلاسة إلى المحيط الرمادي الذي يحيط به، وكأنهما ينتميان إلى جغرافيا نفس واحدة، ولكن بتضاريس متنوعة وظلال بأطوال مختلفة.
الحكاية ليست حكاية نور يواجه العتمة، وليست سيرة ذاتية لوليد، كما أنها ليست حكاية تروي اكتشاف حقيقة ما أو إدراك أمر ما. رواية «وليد يرى النور» رحلة كرحلة أليس في بلاد العجائب؛ ففي كل صفحة منها تدغدغ أو تهاجم موضعًا من أنفسنا التي لا تختلف في عجبها وغرابتها، عما صادفته أليس في عالمها الخيالي الذي لا نصدقه، ولكننا ننغمس فيه ونصدقه للحظات.
وليت الكاتبة باسلة اسليم راهنت على قدرتنا على التقاط بعض ما ترنو إليه، وتركت بعض الصور والمشاهد مفتوحة لتأويل القارئ، فقد استوعبت بعضها على طريقتي، وربما كان أجمل لو بقيت كذلك. ومع ذلك، لا أجد في هذا خطيئة، ففي التجربة الأولى للكتابة التي مررنا بها جميعًا، نلجأ أحيانًا إلى الشرح في مواضع معينة لنتأكد أن الرسالة قد وصلت إلى القارئ بشكل جلي.
في «وليد يرى النور» ستستمع، وأنت تقرأ، إلى صوت يذكّرك بأن النور ليس دائمًا في نهاية الطريق، وأن ما نبحث عنه في الخارج قد يكون مختبئًا في مكان آخر، أقرب مما نظن. وقد وجدت باسلة اسليم في هذه الرواية مساحة خاصة لصوتها، ولفتت انتباهي إلى تجربة تستحق المتابعة، ليس لأنها قالت كل شيء، بل لأنها تركت للقارئ أشياء كثيرة ليكتشفها بطريقته؛ فبعض الروايات تنتهي حين تطوي صفحتها الأخيرة، أما «وليد يرى النور» فتبدأ رحلتها الحقيقية فينا بعد أن نغلق الكتاب.