الثانوية ثلاث سنوات.. هل تتّسع خيارات الطلبة أم تطول سنوات القلق؟ التفاصيل في التعليق الاول

نبض البلد -
محافظة ل"الانباط": شهادة الثانوية منفصلة عن امتحان القبول الجامعي


الطويسي: فرص تحتاج الى ارشاد جامعي وتأهيل للمعلمين

أسر الطلاب .. تباين مواقف وارتياح وقلق
د. افين الكردي

تغيير في بنية الثانوية
تدخل المرحلة الثانوية في الأردن مرحلة جديدة، تمتد فيها الدراسة من الصف العاشر حتى الثاني عشر، مع فصل الحصول على شهادة الثانوية العامة عن الامتحان المؤهل للقبول الجامعي. ويضع هذا التغيير الطلبة وأسرهم أمام أسئلة تتعلق باختيار المواد، وتحديد المسار الجامعي، ومدى استعداد المدارس لتطبيق النظام وشرح تفاصيله.

تطوير للمواءمة مع أنظمة دول أخرى
قال وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية عزمي محافظة، خلال حديثه ل"الأنباط"، إن امتحان "التوجيهي" بصورته السابقة انتهى، ليصبح "الامتحان العام" مخصصاً للقبول في مؤسسات التعليم الجامعي، فيما تُمنح شهادة الدراسة الثانوية للطالب بعد نجاحه مدرسياً في الصف الثاني عشر.

وبحسب محافظة، أصبحت المرحلة الثانوية ثلاث سنوات، تشمل الصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر، بدلاً من عامين، ضمن تطوير يستهدف مواءمة التعليم الثانوي الأردني مع الأنظمة المعمول بها في دول أخرى، وربطه بقدرات الطلبة وميولهم ومتطلبات الدراسة الجامعية وسوق العمل.

وأوضح أن طلبة الصفين العاشر والحادي عشر يدرسون المواد الأساسية نفسها، دون التقسيم التقليدي إلى فرعين علمي وأدبي، على أن يختار الطالب لاحقاً المواد التي تتناسب مع التخصص الجامعي الذي يرغب في دراسته.

وفيما يتعلق بآلية الامتحان، بيّن محافظة أن الطالب يستطيع، بعد النجاح في الصف الحادي عشر، التقدم للجزء الأول من الامتحان العام، الذي يشمل اللغة العربية والرياضيات والتربية الإسلامية وتاريخ الأردن، وتشكل هذه المواد 30% من الامتحان. ويمكن للطالب تأجيل التقدم لهذا الجزء إلى الصف الثاني عشر.

وأكد أن الرياضيات تبقى مادة أساسية في الحادي عشر والثاني عشر، وأن الإنجليزية أصبحت إلزامية لجميع الحقول، مع دراسة الإنجليزية المتقدمة في بعض المسارات وفق متطلبات التخصص الجامعي.

ويرتبط اختيار المواد المتخصصة بالتوجه الجامعي للطالب.. وقدّم محافظة الحقل الصحي مثالاً، موضحاً أنه يتطلب الكيمياء والعلوم الحياتية واللغة الإنجليزية المتقدمة، إلى جانب مادة اختيارية من الرياضيات أو الفيزياء أو علوم الأرض.

وأشار إلى دمج الحقل الهندسي مع حقل العلوم والتكنولوجيا بهدف تسهيل القبول الجامعي وتقريب التخصصات المتشابهة، موضحاً أن الحقول ترتبط بالتخصصات الجامعية المستهدفة، ولا تعني بالضرورة وجود اختلافات كبيرة في المواد المدرسية التي يدرسها الطلبة.

ويُعد الفصل بين شهادة الثانوية وامتحان القبول الجامعي أحد أبرز جوانب التغيير؛ إذ أوضح الوزير أن النجاح المدرسي في الصف الثاني عشر بات أساس منح الشهادة، بينما يُستخدم الامتحان العام لغايات القبول في مؤسسات التعليم الجامعي.

دعم متخصص لمساعدة الطلبة على الاختيار

يفتح توسيع المرحلة الثانوية لتشمل الصف العاشر سؤالاً يتجاوز عدد سنوات الدراسة: ما الذي سيتغير في تجربة الطالب، وهل تمتلك المدارس الأدوات اللازمة لمساعدته على رسم مساره؟ بالنسبة إلى التربوي زياد الطويسي، يحمل التغيير فرصاً، لكن الاستفادة منها ترتبط بما يرافقه من إرشاد أكاديمي وتأهيل للمعلمين واستعداد لاستيعاب أعباء التطبيق.

ويرى الطويسي أن إتاحة التوجه إلى تعلم الحرف والانتقال إلى سوق العمل بعد المرحلة الإلزامية قد تمنح بعض الطلبة خيارات تتناسب مع ميولهم، وقد تسهم في خفض كلفة التعليم الحكومي.. إلا أنه يلفت إلى احتمال آخر قد يزيد الأعباء على الوزارة؛ فإذا اقتصر تعليم "الأونروا" على الصفوف المشمولة بالمرحلة الإلزامية، فقد ينتقل طلبة الصف العاشر في مدارسها إلى المدارس الحكومية، وهو احتمال يحذّر من تبعاته على قدرتها الاستيعابية.

أما الفصل بين شهادة الثانوية وامتحان القبول الجامعي، فيقيّمه الطويسي باعتباره خطوة إيجابية تنسجم مع التوجهات الدولية. لكن السؤال بالنسبة إلى الطالب يبقى عملياً: كيف يختار مواد ترتبط بتخصصه الجامعي المقبل؟ فالقدرة على الاختيار، كما يراها الطويسي، موجودة، لكنها تحتاج إلى دعم متخصص يوضح للطالب خياراته وما يترتب عليها، وهو ما يتطلب زيادة أعداد المرشدين وإعداد برامج للإرشاد الأكاديمي.

وتقود الحاجة إلى هذا الدعم إلى سؤال عدالة الفرص بين المدارس؛ إذ يضع الطويسي تدريب المعلمين في صلب تحسين جودة التعليم، داعياً إلى توفير مراكز متخصصة في المحافظات الطرفية، بدل استمرار تركز فرص التدريب الجيد في عمّان، وفق تقييمه. ويربط ذلك بضرورة تحديث نظام المسارات المهنية للمعلمين وتطوير العمليات الإشرافية وفصلها عن التدريب.

وفي قراءة الطويسي، سيظهر أثر التغيير في مسارات الطلبة ونتائج تعلمهم خلال السنوات الأولى.. لذلك يقترح متابعة أدائهم في الاختبارات الدولية، ونسب التحاقهم بالتعليم العالي وسوق العمل، إلى جانب تراجع التوجه إلى التخصصات الراكدة، بوصفها مؤشرات يمكن الاستناد إليها لتقييم مدى اقتراب التعليم من احتياجات الطلبة وسوق العمل.

تباين قراءات للتغييرات المعلنة

تتباين قراءة الأمهات للتغييرات المعلنة في الثانوية العامة؛ فبينما ترى بعضهن في فصل الشهادة المدرسية عن امتحان القبول الجامعي فرصة لتخفيف رهبة "التوجيهي"، تستقبل أخريات الإعلان من واقع تجربة مرهقة مع نظام السنتين والحقول.
وفي هذه الشهادات، تتداخل التطلعات إلى التعديل الجديد مع أعباء النظام المطبق خلال العامين الماضيين، خصوصاً لدى الأسر التي يتقارب أبناؤها في العمر.

بالنسبة إلى غادة، وهي أم لثلاثة أبناء من مواليد 2008 و2010 و2011، يرتبط الحديث عن الثانوية بضغط يتجدد داخل البيت.. وتروي أن ابنها أنهى السنة الأولى بنجاح، لكنه استقبل الثانية بإحباط لشعوره بأنه سيخوض التعب نفسه مجدداً.. ومع بدء تجربة ابنها الآخر، تقول إنها تجد صعوبة في تخيل المرور بالضغط ذاته لعامين إضافيين.

ولم يبق أثر التجربة عند حدود القلق؛ إذ تقول غادة إن ظروف الأسرة دفعتها إلى نقل ابنها الأصغر إلى مسار التعليم المهني والتقني "BTEC"، لتجنب وجود طالبين في التوجيهي في السنة نفسها.
ومن تجربتها، تتساءل: "مين المظلوم هون؟ الأهل أم الطالب؟"، مشيرة إلى تداخل الأعباء المادية والنفسية حين تتوالى سنوات الثانوية بين الأبناء.

تساؤلات حول قدرة الاسر

وتستعيد مها تجربة مشابهة، بعدما خاض ابنها من مواليد 2007 وابنتها من مواليد 2008 امتحانات الثانوية في العام نفسه، قبل أن تواصل ابنتها سنة أخرى. وتقول إن انتهاء تجربة أحد الأبناء لم يعنِ انتهاء الضغط عن الأسرة، فيما تنظر بقلق إلى اقتراب ابنها الأصغر من المرحلة ذاتها.

لكن ما يشغل مها يتجاوز امتداد الامتحانات إلى مدى توفر الحقول في المدارس، فبحسب روايتها لم تجد الحقل الهندسي في المدارس الثانوية الثلاث الموجودة بمنطقتها، ما اضطرها إلى نقل ابنتها إلى مدرسة بعيدة. وتصف كيف استهلك التنقل وقتاً كانت ابنتها تحتاج إليه للدراسة، متسائلة عن قدرة الأسر على تحمل هذا الخيار، خصوصاً عندما يتطلب انتقال البنات إلى مناطق أخرى.
ومن هنا، ترى أن اختيار الحقل قد تحكمه إتاحته في المدرسة، إلى جانب رغبة الطالب وميوله.

تغيير عدد السنوات لا يغير مكانة الثانوية

ويتقاطع هذا القلق مع رأي المعلمة ديانا، التي ترى أن مصدر الضغط يرتبط أيضاً بالمكانة التي تحتلها الثانوية في المجتمع بوصفها مرحلة تحدد المستقبل. وبحسب تقديرها، فإن تغيير عدد سنوات المرحلة وحده لن يجعلها صفاً دراسياً عادياً في نظر الأسر، خاصة تلك التي لديها أكثر من طالب يستعد للامتحانات في الوقت نفسه.

هل ينهي "فيلم رعب الثانوية"

في المقابل، تستقبل أم أمير فصل شهادة الثانوية عن امتحان القبول الجامعي بتفاؤل، وترى فيه اعترافاً بإتمام الطالب اثني عشر عاماً من التعليم المدرسي، مع بقاء استكمال الجامعة خياراً يرتبط برغبته ومتطلبات القبول. وتأمل أن يساعد هذا الفصل في إنهاء ما تصفه بـ"فيلم رعب الثانوية العامة"، وتخفيف ارتباط نهاية الدراسة المدرسية بالخوف من امتحان واحد.

مسار الجامعة والامتحان الوزاري

أما أم باسل، فتفهم التغيير على أنه يتركز في اعتماد النجاح المدرسي لمنح شهادة الثانوية، وترى أن مسار الراغبين في دخول الجامعة يظل مرتبطاً بالامتحان الوزاري. وفي قراءتها، فإن هذا التمييز هو أبرز ما حمله الإعلان، إلى جانب إمكانية تأجيل الجزء الأول من الامتحان وتقديمه مع مواد الصف الثاني عشر.

وتنظر أم محمد إلى القرار من زاوية الطلبة الذين لا يخططون لاستكمال تعليمهم الجامعي، معتبرة أن حصولهم على شهادة تثبت إنهاء المرحلة الثانوية قد يفتح أمامهم خيارات أخرى. وتأمل أن تفيدهم في التقدم إلى أعمال تشترط إتمام الثانوية، وتذكر من بينها القطاعات العسكرية والأمنية، وهي استخدامات تعكس توقعها لفائدة الشهادة وتبقى مرتبطة بشروط القبول لدى الجهات المعنية.

الإصلاح يُختبر داخل المدرسة

وبين ما تعد به التغييرات وما ترويه الأسر، يبقى نجاح تطوير الثانوية مرهوناً بما يلمسه الطالب داخل المدرسة: خيارات متاحة فعلاً، وإرشاد يساعده على الاختيار، وفرصة عادلة لا تحددها منطقته أو قدرة أسرته على الدفع. هناك يُختبر الإصلاح؛ في ألا يضطر طالب إلى تغيير مساره لتخفيف العبء عن بيته، وألا تقطع طالبة مسافة طويلة بحثاً عن حقل لا توفره مدرستها. فالمقياس الأهم لأي تغيير هو أن يفتح أمام الأبناء مستقبل أوسع، وأن تستطيع الأسرة أن تسأل: "ماذا يريد ابننا أن يصبح؟"، قبل أن تسأل: "كيف سنتحمّل سنوات الثانوية؟"