نبض البلد - "الصمت حين يصبح ما لا نقوله أكثر صدقا مما نقول"
ليس كل صامت عاجزا عن الكلام، كما ليس كل متحدث يمتلك ما يستحق أن يقال. ففي عالم ازدحمت فيه الأصوات، أصبح الصمت واحدا من أكثر اللغات ندرة، وربما أكثرها صدقا. نحن نتكلم كثيرا، نشرح أنفسنا، ندافع عن مواقفنا، نملأ المساحات بالكلمات، ثم نكتشف أن بعض الحقائق لا تحتمل الضجيج، وأن بعض ما نشعر به لا يجد لغته إلا حين نصمت.
لقد اعتاد الإنسان أن يظن أن صوته هو دليل حضوره، وأن الكلام هو الطريق إلى إثبات ذاته، حتى أصبح يخاف من الصمت كما لو كان فراغا. لكنه لا يدرك أن الصمت ليس دائما غيابا، بل قد يكون امتلاء لا تستطيع الكلمات حمله. فهناك صمت يولد من الحكمة، وصمت يختبئ فيه الحزن، وصمت يأتي بعد أن تتعب الروح من الشرح، وصمت آخر لا يحتاج صاحبه إلى الدفاع عن نفسه لأنه بلغ من السلام ما جعله أكبر من كل جدال.
إن الإنسان لا يخاف من أن يكون وحيدا بقدر ما يخاف من أن يبقى وحيدا مع نفسه. ولهذا يهرب إلى الضجيج، إلى الناس، والشاشات، والأخبار، والحوارات التي لا تنتهي. فهو يملأ أوقاته بكل شيء كي لا يسمع ذلك الصوت الخافت في داخله، الصوت الذي يسأله عن أشياء حاول طويلا تأجيلها، هل أنا راض عما أصبحت عليه؟ هل أعيش الحياة التي أريدها، أم الحياة التي اعتدت عليها؟ وماذا بقي مني خلف كل الأدوار التي أؤديها؟
وهنا يصبح الصمت مرآة. ففيه تسقط الضوضاء التي نصنعها حول أنفسنا، وتبدأ الحقيقة في الظهور دون زينة. قد نكتشف أن ما كنا نسميه قوة كان خوفا من الضعف، وأن ما ظنناه قناعة لم يكن سوى فكرة ورثناها دون أن نفكر فيها. وربما نكتشف أن أكثر ما أتعبنا لم يكن ما حدث لنا، بل ما بقينا نقوله لأنفسنا بعد أن انتهى كل شيء.
ولعل أعظم ما يمنحه الصمت للإنسان هو القدرة على الإنصات. فالاستماع إلى الآخرين ليس أن ننتظر دورنا في الكلام، بل أن نؤجل أنفسنا لحظة لنمنحهم مساحة حقيقية للظهور. كم من إنسان لم يكن يحتاج حلا، بل كان يحتاج قلبا يصغي إليه دون استعجال؟ وكم من خلاف كان يمكن أن ينتهي لو أن أحد الطرفين اختار أن يفهم قبل أن يرد؟
إننا نعيش في زمن سريع حتى في مشاعره؛ يطالبنا أن نرد بسرعة، وأن نبدي رأينا فورا، وأن نعلن موقفنا قبل أن نمنح أنفسنا فرصة للتفكير. وكأن التمهل ضعف، وكأن الصمت هزيمة. لكن بعض الكلمات لا تستحق أن تقال إلا بعد أن تمر في ميزان العقل، وبعض المواقف تصبح أكثر حكمة حين نؤجل الرد عليها حتى تهدأ العاصفة داخلنا.
فالصمت ليس دائما انسحابا، بل قد يكون أرقى أشكال السيطرة على النفس. أن تستطيع الكلام ثم تختار ألا تقول ما يجرح، وأن تملك القدرة على الرد ثم تختار ألا تمنح الإساءة قيمة، وأن تكون قادرا على الانتصار في جدال ثم تدرك أن سلامك الداخلي أثمن من انتصار عابر، تلك ليست هزيمة، بل قوة لا يتقنها إلا من انتصر على رغبته في الانتصار الدائم.
ومع ذلك، فالصمت ليس فضيلة في كل حين. فهناك صمت يصبح تخليا عن الحقيقة، وسكوت يتحول إلى مشاركة في الظلم، وهدوء يخفي خوفا لا حكمة. ليست الحكمة أن نصمت دائما، بل أن نعرف متى يكون الكلام واجبا، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام. فالصوت الذي ينصف مظلوما قد يكون واجبا أخلاقيا، والكلمة التي تمنع ألما قد تصبح شكلا من أشكال الرحمة.
إن الإنسان الحكيم لا يجعل الصمت بديلا عن الحقيقة، ولا الكلام بديلا عن الوعي. إنه يعرف أن لكل منهما مكانه. يتكلم حين تكون كلماته إضافة، ويصمت حين يصبح الكلام تكرارا، وينصت حين يكون الإنصات أعمق من أي إجابة. ولذلك فإن النضج ليس في كثرة ما نقوله، بل في قدرتنا على معرفة ما يجب أن يبقى في داخلنا.
وربما كانت أكثر لحظات الإنسان صدقا هي تلك التي يجلس فيها مع نفسه دون جمهور. لا يحتاج إلى أن يبدو قويا، ولا ذكيا، ولا ناجحا، ولا متماسكا. هناك، في ذلك الصمت الخالي من التمثيل، تبدأ المصالحة الحقيقية مع الذات. فالإنسان لا يعرف نفسه وسط تصفيق الآخرين، بل حين ينتهي التصفيق ويعود إلى ذلك السؤال القديم: هل أنا صادق مع نفسي؟
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات بقدر حاجته إلى مزيد من الوعي. فالضجيج لا يصنع حقيقة، وكثرة الكلام لا تصنع حكمة، وأحيانا تكون لحظة صمت واحدة كافية لتعيد ترتيب فوضى كاملة في داخلنا. فمن لا يعرف كيف يصغي إلى نفسه، سيبقى معرضا لأن يعيش حياته كلها وهو يسمع أصوات الآخرين أكثر مما يسمع صوته الداخلي.
وفي النهاية، ربما لا يكون الصمت هو أن تتوقف عن الكلام، بل أن تتوقف عن الهروب من نفسك. أن تجلس مع أفكارك دون خوف، ومع أخطائك دون إنكار، ومع أحلامك دون سخرية. ففي تلك اللحظة فقط، يصبح الصمت طريقا إلى معرفة لا تمنحها الكتب، وحكمة لا تأتي من كثرة الكلام.
وأقول أنا: إنني لا أخاف الصمت، بل أخاف أن يمر عمري كله في ضجيج لا أسمع فيه نفسي. فالصمت الذي يفتح للروح نافذة على الحقيقة ليس فراغا، بل امتلاء،وليس غيابا، بل حضور. وأحيانا، لا تكون أعظم الكلمات هي التي نقولها، بل تلك التي نتركها تنضج في أعماقنا حتى يصبح الصمت نفسه أصدق من الكلام.
بقلم ✒️ د. عمّار محمد الرجوب