الرشايدة يكتب الوضع القانوني لمضيق هرمز في إطار القانون الدولي بين النظرية والتطبيق

نبض البلد -
المحامي محمد الرشايدة/ باحث في القانون الدولي العام.
لا يخفى عن هذا العالم أجمع أن اصبحت السياسة بكل أنواعها في متناول فكر الجميع ذكراً كان أو أنثى صغيراً أو كبيراً، والقارئ بعمق لواقع السياسات الاقتصادية العالمية والايديولوجيات المتغيرة على هذا الكوكب يجد أن العالم اليوم، وبكل الأزمات والحروب وحالات الطوارئ الكبرى، قد نسي كل ذلك وتفرغ لمراقبة مضيق مائي أو بقعة مائية لا يتجاوز عرض أضيق ممر فيها نحو واحد وعشرين ميل بحرياً. ولا شيك أنني اتحدث عن مضيق هرمز، الذي عرف أنه البوابة المائية التي تفصل بين الخليج العربي وخليج عمان، وكأن استقرار العالم الدولي أجمع، ومشاكل الطاقة وحركات التجارة الدولية، مرسومة بإرادة هذا الممر الخانق وعلى ذلك ارتأيت كباحث في القانون الدولي العام أن أضع هذا المقال الذي يوضح ما هو هرمز ولماذا كل الحديث يدور حوله اليوم
أولاً: الإطار النظري والقانوني لمضيق هرمز في القانون الدولي العام
من منظور القانون الدولي العام، تخضع المضائق الدولية المستخدمة للملاحة الدولية لقواعد محددة في القانون الدولي البحار، بتوازن بين مبدأ سيادة الدول المطلة وهي سلطنة عمان وإيران وبين مبدأ حرية الملاحة الدولية لأسطول السفن العالمي أو ما يعرف بنظام المرور العابر، وهذا وفق اتفاقية قانون البحار لعام 1982، حيث وضع الفقه الدولي مياه مضيق هرمز ضمن المضايق التي تستخدم للملاحة الدولية، من أجل إخضاعها للنظام القانوني الفريد المعروف بالمرور البريء، وهذا النظام هو حق دولي لكل السفن وحتى الطائرات بغرض المرور فقط أي دون عرقلة الحركة من قبل الدول التي تملك حق الاطلال على هذا المضيق. ولأن طبيعة الحق تمنح حق المرور العابر لكل السفن والطائرات العبور المستمر والسريع عبر المضيق بغرض الانتقال السريع بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر منها. فهو على عكس المياه الإقليمية البحتة التي يجوز للدولة المطلة تعليق المرور البريء فيها مؤقته لدواعٍ أمنية ملحة، وبالتالي فإن حق المرور العابر في المضايق الدولية لا يجوز تعليقه أو عرقلته بأي شكل من الأشكال من قِبل الدول المشاطئة (سلطنة عمان وإيران). وفي المقابل، تلتزم السفن والطائرات المارة بالعبور السريع دون إبطاء، وتجنب أي تهديد أو استخدام للقوة ضد سيادة الدول المشاطئة، والامتناع عن أي أنشطة تخالف مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
ثانياً: الواقع العملي الذي يعد أهم ركائز التطبيق النظري على أرض الواقع
رغم وضوح النصوص الاتفاقية، إلا أن التطبيق العملي اليوم يصطدم بتعقيدات سياسية وحتى فقهية قانونية دولية فمن جهة الموقف الايراني من اتفاقية قانون البحار فهي في مشكلة التوقيع من زاوية وتحفظ إيران من جهة أخرى لأن كل متخصص في القانون الدولي يدرك أن إيران من الدول الموقعة على هذه الاتفاقية لكنها لم تصدق عليها، الأمر الذي جعل طهران تتمسك بنظام المرور البريء التي تستمد شرعيته من اتفاقيات جنيف، وهو النظام الذي يمنح الدولة المطلة صلاحيات أوسع بكثير، قد تتمثل في الرقابة، والتفتيش مما يشكل أهم اخلال نظري على أرض الواقع. ومن هنا تحول الفقه الدولي من فكرة نظرية إلى ملحمة بحرية من الصراعات السياسية، فالنظرة الأكاديمية كانت تنظر إلى ضمان حرية الملاحة دون أي قيد، إلا أن الواقع العملي جاء مخالفاً لما أوردته النظريات.
أما عن التهديد بإغلاق المضيق فقط يعتبر التلميح من جهة إيران بإغلاق المضيق ورقة ضغط لمواجهة أي عقوبات يفرضها القانون الدولي، نتيجة اعتباره أن إغلاق مضيق دولي مخصص للملاحة الحرة عمل عدواني يهدد السلم والأمن الدوليين، وكما يجيز هذا القانون لمجلس الأمن أن يتدخل أو حتى تفعيل حق الدفاع الشرعي الجماعي بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي وقع في سان فرانسيسكو عام ١٩٤٥.
أما المشكلة الثانية فتتمثل في الطبيعة المائية المياه، لأن في هذا المضيق تتوزع المياه بين مياه إقليمية تتبع لسلطنة عمان وإيران، ويتخلل بينهما ملاحية مرسومة وفق لقواعد خطوط التقسيم، أو ما يعرف بمبادئ تقسيم الحدود البحرية مما يجعل السيادة الدولية مجزأة بين سيادة سياسية للشاطئ وحرية دولية للمجتمع الدولي ككل، وكذلك الأمر في التفتيش الأمني، حيث تمارس القوات البحرية الإيرانية بانتظام عمليات، رصد، وتفتيش للسفن التجارية العابرة تحت مسميات مكافحة التهريب وحماية الأمن البيئي والقومي. وفي المقابل، تعتبر هذه الممارسات انتهاكاً لحرية الملاحة الدولية.
ثالثاً : البعد الاستراتيجي لهرمز
لابد أن أؤكد أن الهوس العالمي بهذا المضيق بالتحديد ليس مبالغات إعلامية، بقدر أن تكون حقيقة استراتيجية قاسية؛ فهذه البقعة المائية يمر عبرها بحوالي خمس إنتاج النفط العالمي المنقول بحرياً، وكذلك في النقل الضخم من الغاز الطبيعي المسال، وعلى ذلك فإن أي إخلال بنظام هذا المضيق تحديداً تؤدي إلى قطع امداد الطاقة في العالم، حيث أن الأمر لا يقتصر على الدول المطلة وحدها، بل يمتد ليضرب بأي استقرار اقتصادي وسياسي للبشرية أجمع. ومن هنا جاءت فلسفة القانون الدولي في تعامله مع هذا المضيق في اعتبراه خطاً أحمر لا تقبل قواعده أي عبث، وتبقى قواعد المرور العابر الحصن القانوني الأخير الذي يحمي التجارة العالمية من الانهيار.
اختم هذا المقال بالقول أن هذا المضيق يثبت لنا يوماً بعد يوم أن قواعد القانون الدولي ليس مجرد نصص جامد ليس له علاقة بالواقع ، بل هو قانون من طبيعة خاصة، لكنه يتأثر بميزان القوى السياسية والاقتصادية. والأدهى من ذلك أن مشكلة هرمز اختزلت هموم البشرية كلها ليضعها عند مدخل الخليج العربي، حارساً أبدياً بدلاً من المشاكل الأخرى التي تواجهها البشرية عالمياً.
المحامي محمد الرشايدة ✍🏻
ماجستير القانون الدولي العام
باحث/ القانون الدولي الجنائي