نبض البلد - سعيد الصالحي
الشمس قاسية هذه الأيام، كالكثير من الناس والأشياء في حياتنا. وحتى عندما تغادرنا في المساء لترتاح منا قليلًا، تترك نسائمها الملتهبة تذكرنا بأنها لن تطيل الغياب، وأنها ستعود بعد ساعات لتلسعنا من جديد.
لذلك قررت اليوم ألا أواجه الشمس. فهي خصم متوحش لا يجيد سوى لغة القوة، ولا يفقه شيئًا في فن المفاوضات الذي نظن أننا نتقنه. جلست في البيت، وأغلقت الستائر، ولم أنم فوق السرير بل تحته. اتخذت كل التدابير وكل الاحتياطات، إلا أنني ارتكبت خطأً واحدًا فقط... لم أغلق هاتفي النقال.
ومن هنا بدأت الشمس حربًا إلكترونية لم أعهدها من قبل. رسائل تذكرني بفواتير الماء والكهرباء، وأخرى تتحدث عن عروض سياحية تعدني بأجمل الأوقات، ورسائل لا تنتهي عن العمل، واتصالات تبدأ كما تنتهي بلا نتيجة، لا يخرج منها سوى حرارة في سماعة الهاتف، رغم برودة الكلمات والوعود.
لقد تسللت الشمس بأشعتها إلى حياتنا، لكنها لم تذب أحزاننا ولا مشاعرنا المتجمدة، ولم تجفف مستنقعات الشك والتردد التي وجدت طريقها إلى نفوسنا منذ سنوات، أو تزيح العتمة الجاثمة فوق صدورنا.
لكنها، في المقابل، غلّت الدم في عروقنا، وأججت حرارة كلماتنا حتى أصبحت جافة، تجرح، وأحيانًا تقتل الأرواح... والعصافير الصغيرة، كلما خرجت كالرصاص من حناجر متعبة وعطشى.
لو كانت عمّان تقطن بالقرب من بحر أو نهر، لما شعرنا بكل هذا الجفاف في الصيف. ولو لم تبتلع المدينة ماءها، لرطبت به جباهنا المتعرقة. ولو لم نقضِ على أشجار البلوط، لوجدنا ما يظلنا ويحمي وجوهنا من قسوة الشمس.
أنا لا أعترض على ناموس الكون ولا على أحكام الطبيعة والجغرافيا، لكنني لا أجد مبررًا لاغتيال الأشجار، ولا لردم الينابيع، ولا لسرقة ما تبقى من ظلال الطبيعة. اغتيالٌ بدأ منذ عقود، وما زال مستمرًا، وكأنه لم يكتفِ بما سرق منا بعد.
أحيانًا أشعر أن كل شيء حولنا أصبح صناعيًا ومستوردًا، حتى إن هذه الشمس لا تشبه تلك التي عرفناها صغارًا، ولا تلك التي قرأنا عنها في كتب القراءة.
ليتني أستطيع أن أفحص الحمض النووي لهذه الشمس. مع أنني أخشى، بعد كل هذا التفكير، أن تكون الشمس بريئة... وأن يكون الخلل قد أصابنا نحن، وأننا أصبحنا نسيء فهم كل شيء.