نبض البلد - حين تصبح السياسة اسما اخر لشراء الرضى..
الأردن أكبر من ثنائية الأرقام والسياسة
الانباط - خاص
تقوم بعض القراءات للحكومة الأردنية من هواة بصيغة محترفين جدد, على ثنائية تبدو جذابة، لكنها تحتاج إلى مراجعة عميقة.. فريق تكنوقراطي يفهم الأرقام والاقتصاد، في مقابل عقل سياسي يفهم الأردن من الداخل، ويعرف العشائر والمناطق والقوى السياسية والمزاج الشعبي... بهذه الجملة الجذابة لغة, والضحلة مضمونا تبدأ وسيلة اعلام مهاجرة نقد اداء الحكومة, وكأن المشكلة بين تكنوقراط وسياسيين او بين ديجتال وانالوج.
المشكلة هنا ليست في أهمية فهم المجتمع الأردني، ولا في مكانة العشائر التي كانت وما تزال مكوّناً أساسياً في بنية الدولة والمجتمع، ولا في ضرورة الإصغاء إلى المناطق والقوى السياسية.. المشكلة في اختزال «فهم الأردن» بهذه العناصر، وفي وضعها، بصورة غير مباشرة، في مواجهة الكفاءة الاقتصادية ودقة الأرقام, وكأن الاردن اجتاز كل اثقال الاقليم والجوار سيء الجيرة, في كثير من الاوقات, بهذه السطحية, فهل السياسي هو من يعرف كيف يقرأ المزاج، بينما التكنوقراطي لا يرى سوى الجداول؟ وهل يصبح القرار أقل سياسية كلما كان أكثر استناداً إلى الأرقام؟
الأرقام ليست نقيضاً للسياسة
حين يكون العجز مرتفعاً، فإن البلاغة السياسية لا تخفضه, وحين تتراكم المديونية، لا يمكن تأجيل مواجهتها إلى ما لا نهاية, وحين نريد نمواً واستثماراً وفرص عمل، فإن حسن إدارة التوازنات، على أهميته، لا يستطيع وحده إنتاج اقتصاد قوي, فالأرقام تبقى, والوزراء يتغيرون، والحكومات تتبدل، والمزاج العام يتحرك، لكن نتائج القرارات تبقى في الموازنة، وفي الدين، وفي معدلات النمو والبطالة والاستثمار.
ومن هنا، فإن الفريق الاقتصادي يجب أن يُحاسب على أرقامه ونتائجه, فإذا أخطأ، فليُنتقد بقوة, وإذا فشلت سياساته، فليتحمل المسؤولية, لكن لا ينبغي أن تصبح صفة «التكنوقراط» تهمة، ولا أن يصبح الالتزام بالرقم الصحيح دليلاً على ضعف الحس السياسي, بل إن الإصرار على الرقم الصحيح قد يكون في لحظات كثيرة هو جوهر القرار السياسي المسؤول.
السياسة ليست فقط معرفة اتجاه الريح، بل القدرة أحياناً على السير عكسها عندما تقتضي مصلحة الدولة ذلك, وليست فقط معرفة ما يريده الناس الآن، بل معرفة ما تحتاجه الدولة بعد خمس أو عشر سنوات, ولعلنا نعرف ان كثير من الفرص ضاعت لاننا لم نواجه الريح, وكثيرا من الازمات نعيشها لاننا لم نتصدى لمشاكلنا بصرامة الدولة, هل اذكر مديونية شركة الكهرباء مثالا, ام الاعراق في تخليق المؤسسات المستقلة؟
وهنا تكمن الملاحظة الأساسية على الطرح الذي يدعو إلى «عقل يدير الاقتصاد وعقل يدير السياسة الداخلية», لماذا نفترض أصلاً أن الاقتصاد بلا سياسة، أو أن السياسة الداخلية منفصلة عن الاقتصاد؟
قرار ضريبي هو قرار سياسي. والموازنة سياسة, والاستثمار سياسة, وفرص العمل سياسة, وإصلاح الإدارة سياسة, والرقم الذي يحدد قدرة الدولة على الاقتراض والإنفاق ليس تفصيلاً محاسبياً، بل جزء من سيادتها وقدرتها على اتخاذ القرار, ازمتنا ان كثير من متنطحي المدح او النقد, لا يمتلكون منهجا, بل موقفا, يتنقلون فيه حسب درجة الرضى والمنافع.
المطلوب، بالتأكيد، حكومة تعرف مجتمعها جيداً, تعرف تاريخ الأردن وتركيبته وتنوعه، وتحترم دور العشائر والمناطق والقوى الاجتماعية والسياسية، وتستمع إليها وتتفاعل معها, لكن المعرفة شيء وتحويل القرار العام إلى عملية دائمة لاسترضاء الجميع شيء آخر,وهذا هو الفارق الذي ينبغي الحفاظ عليه.
فاحترام العشائر لا يعني تحميلها مسؤولية القرارات الاقتصادية، كما أن فهم المناطق لا يعني أن تصبح السياسة العامة أسيرة للحسابات المناطقية, والعشائر الأردنية نفسها ليست مجرد «كتل رضا» تنتظر من الحكومة استرضاءها؛ فهي جزء تاريخي من الدولة ومؤسساتها وجيشها وإدارتها وحياتها العامة, لذلك، فإن المشكلة ليست في العشائر أو القوى السياسية، بل في القراءة التي تختزل «الحس السياسي» في القدرة على إدارة رضاها.
الحكومة ليست فرقة إنشاد
الأردن أكثر تعقيداً من ذلك, فالحكومة القوية، لا يشترط أن تكون فريقاً يفكر بالطريقة نفسها, على العكس، قد يكون تباين الرأي داخل مجلس الوزراء أحد أهم مصادر قوته, وما يراه بعض الكتبة تسريب او تشقق في جدار الحكومة, قد يكون دليل صحة, فالوزير القوي ليس من يكرر رأي زميله أو رئيسه، بل من يمتلك معرفة بملفه ورؤية وقدرة على الدفاع عنها, ومجلس الوزراء الحقيقي هو المكان الذي تتصارع فيه الأفكار قبل أن يستقر القرار، لا المكان الذي يدخل إليه القرار جاهزاً ليخرج مصادقاً عليه, لذلك، فإن المطلوب ليس فريقاً «واحداً» بالمعنى الفكري، بل فريق قويا.
وزراء يمتلكون شخصيات مستقلة، ويختلفون، ويجادلون، ويقدمون البدائل، ثم يتحملون مسؤولية القرار بعد اتخاذه, فالتباين داخل الحكومة ليس بالضرورة علامة ضعف؛ أحياناً يكون غياب التباين هو علامة الضعف الحقيقية, ومن هنا أيضاً، فإن أي تعديل وزاري لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عملية لإعادة ترتيب الأسماء تحت عنوان تحقيق التوازن.
السؤال ليس فقط: من يمثل ماذا؟
السؤال الأهم: من يستطيع أن يفعل ماذا؟
هل الوزير الجديد أكثر كفاءة؟ هل يمتلك رؤية؟ هل يستطيع إدارة مؤسسة؟ هل يملك شجاعة الاختلاف؟ وهل سيضيف إلى قدرة الحكومة على التنفيذ؟
أما الفريق الاقتصادي، الذي اراه من انشط التكوينات داخل الحكومة, واكثرها انضباطا بالقرار الناجز, فينبغي الحكم عليه بالمعيار نفسه, لا الدفاع عنه لأنه تكنوقراطي، ولا مهاجمته لأنه تكنوقراطي, المعيار هو النتائج, وما حققته الدلالة الرقمية التي تنتقدها الطيور المهاجرة, هي من سيبقى.
فإذا كانت أرقامه صحيحة ومساره الاقتصادي واضحاً ويحقق نتائج تراكمية، فإن استمرارية هذا المسار تصبح قيمة في ذاتها, وإذا أخفق، فإن الأرقام نفسها ستكون أقسى عليه من أي نقد سياسي.
المشكلة، إذن، ليست بين «الجداول والأرقام» وفهم الأردن, هذه ثنائية مصطنعة, الحكومة الناجحة هي التي تفهم الأردن جيداً، ولذلك تحديداً تحترم الأرقام, وتفهم المجتمع، ولذلك لا تبيع له الأوهام, وتستمع إلى المزاج العام، لكنها لا تجعل منه بديلاً عن الرؤية, فالسياسة ليست فن إرضاء الجميع، كما أن الاقتصاد ليس مجرد جدول أرقام, السياسة الحقيقية هي القدرة على تحويل الرقم الصحيح إلى قرار، والقرار إلى مشروع، والمشروع إلى نتيجة يلمسها المواطن.
وفي النهاية، يمكن تغيير وزير، ويمكن إجراء تعديل واسع، ويمكن إعادة توزيع الحقائب, لكن الدولة لا تتقدم بعدد التعديلات, تتقدم حين تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والسياسات أبقى من,الحكومات، والقرار الصحيح أقوى من إغراء الشعبية المؤقتة فالوزراء يرحلون، والمزاج يتغير، أما نتائج القرارات والأرقام التي تسجلها، فهي التي تبقى, لذلك سنسجل للحكومة ان وقفت حارسا امام الرغائبية ولم تسقط في فخ الاسترضاء لا طرف