نبض البلد - بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة
يولد المجد من سنواتٍ طويلةٍ من الكفاح، ومن ليالٍ سهر فيها الإنسان ليبني اسمًا، ويصنع أثرًا، ويجمع ثمار عمره حجرًا فوق حجر. غير أن ما تبنيه الأعوام قد تحاول بعض البيئات الهدّامة أن تستنزفه بالضغوط، وسوء الصحبة، وإطفاء العزيمة، واستغلال النجاح حتى يثقل القلب قبل أن تثقل الديون. فالإفلاس الحقيقي لا يبدأ حين تفرغ الخزائن، بل حين تُستنزف النفوس، ويُراد للإنسان أن يفقد ثقته بنفسه وبما صنعه.
ولأولئك الذين يظنون أن الضغوط، والاستنزاف، وصناعة البيئات الهدّامة قادرةٌ على طمس تاريخ الرجال الذين بنوا أسماءهم بعرق السنين، نقول: إن الأوطان التي تقوم على دولةٍ راسخة، ومؤسساتٍ قوية، وسيادةِ قانون، لا تسمح بأن يكون الإضرار بالناس طريقًا إلى المجد، ولا بأن تُهدم مسيرةُ المخلصين بوسائل الاستنزاف والتشويه. قد تطول المحنة، وقد تشتد العواصف، لكن ما بُني بالاجتهاد لا تهدمه المؤامرات، وما شُيِّد بالإخلاص لا تقتلع جذوره البيئاتُ السامة. فمن صنع اسمه بالنزاهة، وترك أثره بالعمل، وبنى نجاحه بالحلال، يظل رصيده الحقيقي في سمعته، وتاريخه، وعطائه، وهي ثروةٌ لا يستطيع أحدٌ أن يُعلن إفلاسها ما دام الوطن قائمًا على العدل، يحمي الحقوق، ويصون الكرامة، ويؤمن بأن الإنسان المخلص هو أعظم استثمارٍ للوطن.
إن البيئات الصالحة تُحيي الإنسان، أما البيئات المستنزِفة فقد تُحوّل النجاح إلى عبء، والإنجاز إلى وسيلة استهلاك، حتى يكتشف الإنسان متأخرًا أن بعض المحيطين به كانوا يأخذون من روحه أكثر مما يأخذون من ماله. وهناك يكون الامتحان الحقيقي؛ فإما أن تُفلس القيم، وإما أن تنتصر الإرادة.
ولهذا، فإن أعظم استثمارٍ في الحياة ليس جمع المال وحده، بل اختيار من يحيطون بك من شخوص. فهناك من يزيدك قوةً كلما ضعفت، وهناك من يجعل ضعفك وسيلته. وبين هؤلاء وأولئك تُعرف المعادن، وتنكشف الوجوه، وتبقى النفوس الكريمة وحدها قادرةً على الإنقاذ، لأنها لا تبني مجدها على سقوط الآخرين، بل على رفعهم، ولا ترى في المال قيمةً تعلو على قيمة الإنسان.
وفي عمق هذا المشهد، يبقى الإنسان العاقل هو من يدرك أن القيمة الحقيقية لا تُختبر في لحظات الرخاء، بل في لحظات الانكشاف. فحين تضيق الدروب، تتمايز النفوس؛ فهناك من يزداد نقاءً لأنه يستند إلى مبادئه، وهناك من يتهاوى لأنه كان يستند إلى بيئة اجبرته على تغير مساره بصمت. وهكذا لا تُقاس الحياة بما يملكه الإنسان من أدوات، بل بما يحمله من ثباتٍ داخلي، وقدرةٍ على الصمود أمام تقلبات الظروف دون أن يفقد جوهره.
وفي نهاية المطاف، لا ينتصر في معركة الحياة إلا من أدرك أن المجد الحقيقي لا يُصنع بإسقاط الآخرين، ولا باستنزاف جهود من رجال عرفهم المجتمع بعطائهم، بل ببناء الذات على أسسٍ من النزاهة والعمل. فالأوطان تبقى قويةً حين تحتضن أبناءها المخلصين، وتمنحهم مساحةً للنهضة من جديد، وتغلق الأبواب أمام كل ما يُضعف قيم العدل والإنصاف. عندها فقط يتحول كل ابتلاءٍ إلى بداية قوة، وكل تعثرٍ إلى خطوة نحو رسوخٍ أكبر في طريق النجاح.