مبروك للاردنية حكيمها

نبض البلد -
بهدوء
عمر كلاب
ثلاث مناسبات، داخل حرم جامعي واحد, لكنها، في جوهرها، جملة واحدة, إنسان يعرف، ومعرفة تُنتَج، وخريج يحوّل ما تعلمه إلى قيمة حقيقية في وطنه, ربما تكون هذه، لا أكثر ولا أقل، هي وظيفة الجامعة التي لا تتغير مهما تغيّر العالم من حولها.
لكن كيف نجح قائد في لظم كل ذلك في ابرة وخيط, لينسج من الديالكتيك عباءة, ومثلث يجمع بين القيمة والشغف والارتباط بالوطن, ويفيض نبلا نحو فلسطين وغزة, فهل من محاسن الصدف, ان يقول طبيب في تخريج كلية الطب عن غزة؟ اظنها حكمة, فأحد الطلبة حمل صورة الطبيب ابو صفية, رئيس المستشفى الغزي المكبل في سجون الفاشستية الجديدة, وأظن لست اثما, ان هذا الفهم, هو الذي دفع بالناس لتسمية الطبيب, بالحكيم , ودون تردد صار للاردنية حكيمها.
خرجت عن النص, واعود اليه, مؤتمر لكلية الاداب، وملتقى الاساتذة الفخريين، وحفل تخريج " فوج الهواشم", ثلاث مناسبات تبدو روتينية في تقويم أي جامعة, لكن من يتأملها معًا، لا واحدة تلو الأخرى، يكتشف أنها تروي قصة واحدة، وتطرح سؤالًا واحدا, ماذا يعني، اليوم، أن تكون جامعة؟
في كلية الآداب، لم يكن الحديث عن العلوم الإنسانية حديثًا نوستالجيًا عن زمن كانت فيه الفلسفة والأدب في قلب التعليم, كان أقرب إلى محاولة للدفاع عن سؤال أساسي بدأ يفقد مكانه في زحمة "المهارات" و"سوق العمل", ماذا يبقى من الجامعة إن تحولت المعرفة إلى مجرد أداة، والتعليم إلى مجرد جسر نحو وظيفة؟
السؤال ليس ترفًا أكاديميًا، بل يزداد إلحاحًا كل يوم يتقدم فيه الذكاء الاصطناعي خطوة جديدة, فحين تصبح الآلة قادرة على إنتاج المعلومة في ثوانٍ، لا تعود مهمة الجامعة تعليم الناس كيف يحصلون على المعرفة، بل كيف يفهمونها، وكيف يزنونها، وكيف يقررون - بمسؤولية - ماذا يفعلون بها.
في مدرج ضاق بحضوره, يتقدمهم ولي العهد وثلة من رؤساء الحكومات والاساتذة، كان مشهد مختلف يتكرر, أساتذة أمضوا عقودًا في جامعات ومراكز بحثية حول العالم، عادوا ليجلسوا مجددًا على منصة الجامعة الأردنية، لا ليُستذكَروا، بل ليتحدثوا, قد يبدو تكريم أستاذ فخري مناسبة احتفالية بسيطة, لكن ما يجري في هذه اللقاءات أعمق من ذلك, خبرة تراكمت على مدى سنوات طويلة تُعاد إلى التداول في لحظة يتغير فيها العالم بسرعة تفوق قدرة كثير من الجامعات على مواكبته, وهنا لا يكون السؤال الأهم, ماذا نعلّم أبناءنا اليوم؟ بل: هل ما نعلّمهم إياه سيكون كافيًا لمواجهة عالم لم يُرسم بعد؟
وأخيرًا، في ملعب اخضوضر بالحضور وعذوبة اللحظة, ، وبثياب رسمية تفوح منها طاقة النشاط، وقف "فوج الهواشم" ليأخذ مكانه, هنا تنتهي سنوات الجامعة، وتتحول الشهادة من حلم إلى ورقة، وتبدأ المرحلة, ماذا سيفعل هذا الإنسان الآن بكل ما تعلمه؟
فجامعة تنتج معرفة دون أن تنتج إنسانًا قادرًا على استخدامها، تبقى منقوصة, وجامعة تُخرّج كفاءات جاهزة لسوق العمل, بلا حس وطني أو اجتماعي، تبقى منقوصة أيضًا, وجامعة تتحدث عن حب الوطن دون أن تمنح أبناءها أدوات المنافسة الحقيقية في عالم اليوم، لن تكون قادرة على حماية هذا الوطن حين يحتاجها, وهنا رسم حكيم الجامعة, بمهارة فلاح يعرف رائحة الارض, واشتمها مع اول مطرة, بل ربما تلك كانت الرائحة الاولى التي تعرف عليها, فرسم مارس حدود الوطن الصغير, وتدرج بمنجله وشاغوفه, نحو الوطن الاكبر, فالاسرة كلمة سر الاوطان, والام مفتاح السر والاب حارسه الاكبر.
هكذا ببساطة البداهة, رسم حكيم الاردنية المعادلة, وارتقى فيها بعبارات تحمل رائحة الارض, ومبضع الجراح, فالمهمة الأعمق هي أن تعيد تعريف العلاقة بين التعليم والإنسان والدولة, لهذا يمكن قراءة المنظومات الثلاث في مناسبات الجامعة الأردنية باعتبارها أجزاء من جملة واحدة: نريد إنساناً يعرف، ومعرفةً تُنتج، وخريجاً يحوّل ما تعلمه إلى قيمة في وطنه والعالم, وربما تكون هذه هي الوظيفة الأصعب للجامعة اليوم, ألا تختار بين الإنسان والمعرفة والوطن، بل أن تجعلها ثلاث حلقات في مشروع واحد, فالجامعة في النهاية ليست مبنى، ولا تصنيفاً، ولا شهادة, الجامعة هي الإنسان الذي تخرجه، والمعرفة التي تنتجها، والأثر الذي تتركه في وطنها, واظن حكيم الاردنية فكفك الشيفرة وصاغها برنامجا على الارض.