حين سبقتني الايام .. قصتي مع الحسين الامير

نبض البلد -
عمر كلاب
هناك مقالات نكتبها بأيدينا... ثم يتولى الزمن نشرها من جديد
لم أكن أؤمن يومًا أن الصحفي يملك رفاهية التنبؤ، فالصحافة ليست قراءة للغيب، وإنما محاولة لفهم الحاضر بعمق يكفي لرؤية ملامح الغد.
لكن بعض المقالات تخرج من بين أصابعنا، ثم تختفي في أرشيف الصحف، قبل أن تعود إلينا بعد سنوات، وقد أصبحت جزءًا من ذاكرة وطن، لا مجرد كلمات كُتبت في مناسبة عابرة.
كلما أطل عيد ميلاد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، أعود إلى تلك الأيام البعيدة، ليس لأبحث عن سبق صحفي، ولا لأمنح نفسي شهادة كنت في غنى عنها، وإنما لأنني أجد نفسي مدينًا للحقيقة، ولذاكرة المهنة.
قبل سنوات طويلة، وفي صحيفة "الإعلام البديل" الشبابية التي توقفت لاحقًا عن الصدور، كتبت افتتاحية عن الأمير الحسين في العام 2003, يومها استخدمت وصفًا لم يكن متداولًا، وأشرت إليه باسم "الحسين الثاني".
لم أكن أبحث عن عنوان يثير الانتباه، ولم تكن لدي معلومة خاصة، ولا إشارة من أحد.
كل ما كان لدي، هو قراءة للدستور، وإحساس بأن الدول التي تحترم مؤسساتها لا تترك مستقبلها للصدفة.
أذكر أن كثيرين استغربوا تلك التسمية، وربما رأى بعضهم فيها اندفاعًا صحفيًا أكثر منه قراءة سياسية.
وبعد أيام، التقيت مسؤول الإعلام في الديوان الملكي آنذاك، السفير أمجد العضايلة, سألني، بهدوء وابتسامة لا تزال حاضرة في ذاكرتي:
"لماذا كتبت الحسين الثاني؟"
أجبته بجملة خرجت بعفوية كاملة
"لأنه حقه الدستوري"
ابتسم...
ولم يزد حرفًا.
تعلمت بعد سنوات أن الصمت، في بعض المواقع، ليس فراغًا في الكلام، بل امتلاء بالحكمة.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى نشرت، في صباح عيد الأضحى 2004، مقالًا بعنوان "الله أكبر"
لم يكن المقال عن السياسة، ولا عن ولاية العهد.
كان عن المشهد الإنساني الذي كنت أراه يتكرر أمامي كلما ظهر الأمير إلى جانب والده، جلالة الملك عبدالله الثاني.
كنت أراقب التفاصيل التي لا تلتقطها عدسات الأخبار.
كيف ينصت.
كيف يراقب.
كيف ينتظر قبل أن يتقدم.
كيف تتكرر حركة اليد، وطريقة الجلوس، وحتى أسلوب الإصغاء.
ولم أرَ في ذلك تقليدًا، بل رأيت ما هو أعمق.
رأيت وريثًا يتعلم، قبل أن يتسلم المسؤولية.
فالقيادة، في الدول العريقة، لا تبدأ بمرسوم، وإنما تبدأ بالتكوين الطويل، وبالاحتكاك اليومي، وبالإنصات قبل إصدار القرار.
في صباح نشر المقال، رن الهاتف.
كان الزميل العزيز عبدالوهاب الزغيلات رئيس تحرير صحيفة الرأي انذاك.
لا أزال أذكر نبرة صوته وهو يسألني:
"هل هذا توجيه... أم مغامرة صحفية؟"
ضحكت، وقلت:
"مغامرة صحفية"
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أبتسم كلما تذكرت ذلك السؤال.
لأنني أدركت أن أجمل المغامرات في الصحافة ليست تلك التي تبحث عن الإثارة، بل تلك التي تبحث عن الحقيقة، حتى وإن بدت وحيدة في بدايتها.
ثم مضت الأيام...
وما أكثر ما تعلمنا من الأيام.
أصبح الأمير الحسين وليًا للعهد، لكن الذي لفت انتباهي لم يكن اللقب، بل الطريقة التي اختار بها أن يمارس دوره.
رأيته بين الشباب أكثر مما رأيته خلف المنصات.
في المحافظات أكثر مما رأيته في القاعات.
بين الرياديين، وفي المصانع، والمزارع، والجامعات، ومراكز الابتكار، وبين المتطوعين.
ثم رأيته، كما رآه الأردنيون جميعًا، يهتف للنشامى، ويشارك الناس فرحتهم، وكأنه يقول إن المسؤولية لا تلغي الإنسان، وإن المنصب لا ينبغي أن يصنع مسافة بين صاحبه ووطنه.
عندها فقط، عدت إلى مقالاتي القديمة.
لم أعد إليها لأقول إنني كنت محقًا.
فالصحافة ليست محكمة لإثبات صحة التوقعات.
عدت إليها لأنني شعرت أن الزمن، وحده، هو الكاتب الأكثر إنصافًا.
هو الذي يمنح الكلمات قيمتها الحقيقية.
وهو الذي يكافئ الكاتب، أحيانًا، لا بالجوائز، ولا بالتصفيق، وإنما بأن يجعله يرى الفكرة التي آمن بها، وقد أصبحت جزءًا من الواقع.
في هذه المهنة تعلمت أن الخبر يعيش يومًا، وربما يومين.
أما الفكرة الصادقة، فقد تعيش عمرًا كاملًا.
ولذلك، فإنني لا أحتفل اليوم بمقال كتبته، ولا بقراءة أصابت.
أحتفل فقط بأنني، في زمن كانت فيه المجاملة أسهل من الاجتهاد، اخترت أن أكتب ما اقتنعت به، وأن أترك الأيام تمارس حقها الكامل في أن توافقني... أو تخطئني.
وقد فعلت الأيام ما تفعله دائمًا...
تكلمت أخيرًا.