الفقد يُسائل الوجد في "سحابة أورت" للروائية ابتسام الحسبان

نبض البلد -
قراءة: الناقد أسيد الحوتري

لا تبدو رواية "سحابة أورت" للروائية ابتسام الحسبان رواية أحداث بالمعنى التقليدي الذي يقود القارئ من واقعة إلى أخرى وفق تصاعد درامي واضح، بقدر ما تبدو رواية حالة إنسانية تتخذ من الاضطراب الداخلي مادتها الأساسية. إن مركز الرواية ليس ما يحدث للشخصية الرئيسة "سارة" بقدر ما هو ما يحدث داخلها؛ لذلك تبدو حركة النص أقرب إلى حركة الوعي وهو يفتش في الذاكرة والأسئلة والندوب القديمة، أكثر من كونها حركة أحداث تسعى إلى حل عقدة أو الوصول إلى نهاية محددة.

من هنا يبرز السؤال: هل طغت الأفكار على السرد حتى تحولت الرواية إلى منصة للتأملات الفلسفية؟ قد يبدو هذا الانطباع حاضرا أمام كثافة الأسئلة التي تتكرر في النص حول: الحب والقدر والموت والحقيقة والهوية والسعادة، لكن قراءة الرواية من داخل بنيتها تشير إلى أن هذه التأملات ليست عناصر دخيلة على السرد، بل جزء من نسيجه الفني، فالرواية منذ بدايتها لا تعِد القارئ بحكاية خارجية بقدر ما تدعوه إلى تتبع ارتجاجات الروح بعد سلسلة من الخسارات التي عاشتها سارة.

إن تأملات سارة لا تأتي من فراغ فكري مجرد، بل تنبع من حالة نفسية معقدة تشكلت بعد فقد الأم، والأب، والزوج، أحمد، والإحساس الثقيل بالذنب تجاه موته، والعلاقة العاطفية الملتبسة مع قصي، شقيق الزوج، وخوفها من حنان، شقيقة أحمد، لمعرفتها بأسباب حادث السير الذي أدى إلى وفاة شقيقها، إضافة إلى تشظي علاقات سارة الإنسانية مع من حولها. فالإنسان حين يمر بتجارب فقد حادة ومتكررة لا يعيد مساءلة حدث بعينه، بل يعيد مساءلة العالم كله. عندها تصبح الأسئلة: من أنا؟ ماذا أريد؟ وما معنى الحياة؟ أسئلة حيوية وليست ترفا فكريا أو تأملا فلسفيا بحتا.

ومع ذلك، ثمة تأملات تبدو أقرب إلى صوت الكاتبة الحسبان منها إلى صوت الشخصية، خصوصا في بعض العبارات التي تتناول المقدس وحدوده، أو تلك التي تعيد تعريف الحب بوصفه لحظة امتلاك يعقبها الرضا أو البحث عن بديل جديد. هنا يشعر القارئ أحيانا بأن الفكرة تسبق التجربة، وأن التأمل يفرض نفسه على الشخصية بدل أن ينبثق منها طبيعيا. لكن هذا لا يضعف الرواية بقدر ما يفتح بابا لسؤال آخر أكثر عمقا: هل كانت سارة تبحث فعلا عن معنى للحياة، أم كانت تبحث عن آلية دفاعية تخفف من شعورها بالذنب تجاه التسبب بموت زوجها أحمد بعد أن اكتشف قصة الحب التي كانت بينها وبين شقيقه قصي؟ وكأن التفكير ذاته يتحول إلى وسيلة للنجاة أكثر من كونه بحثا فلسفيا خالصا يفتش عن أجوبة شافية.

وفي جوهرها لا تبدو "سحابة أورت" رواية حب بقدر ما تبدو رواية بحث عن المعنى والهوية بعد الفقد. فالحب حاضر بكثافة، لكنه لا يشكل المركز الحقيقي للنص، بل يعمل كمسار تمر شخصية سارة من خلاله في رحلة اكتشاف ذاتها. فسارة لا تكرر سؤال: من أحب؟ بقدر ما تكرر أسئلة أخرى أكثر وجودية: من أنا؟ ماذا أريد؟ كيف تبدو الحياة؟ وما معنى الموت؟

كما أن لحظات التحول الكبرى في الرواية لا تأتي بعد لحظات الحب، وإنما تأتي بعد الموت والفقد والشعور بالذنب. ويعود النص باستمرار إلى موضوعات التيه والقدر والمغفرة والهوية أكثر من عودته إلى تطور علاقة عاطفية مستقرة. وحتى النهاية لا تنغلق بوصفها نهاية لقصة حب مكتملة، بل تتجه نحو صورة من التصالح مع الذات والحياة، مع ترك الباب مواربا أمام احتمالات المستقبل، وكأن الحب لا يُغلق أبوابه نهائيا بل يبقيها مواربة.

ولعل الأهم أن سارة لم تكن تبحث عن الحب في ذاته بقدر ما كانت تبحث عن نفسها عبر الآخرين. فقد منحها حبها لأحمد الاستقرار والدفء، بينما ارتبطت علاقتها مع قصي بالذنب والاحتمالات المؤجلة، وارتبطت مع سلام بفكرة الهروب والأفق المفتوح والعودة والبداية من جديد، في حين أيقظ الطفل غيث فيها حس الأمومة وتحمل المسؤلية وتقديم الرعاية والبحث عن المعنى. وحتى الشخصيات الجانبية لم تظهر بوصفها كائنات مستقلة تماما، بل بوصفها مرايا ترى سارة عبرها أجزاء متناثرة من ذاتها، وخصوصا العجوز غادة، أم إلياس، التي شابهت قصتها قصة سارة بطريقة أو بأخرى.

لم يكن الآخرون في الرواية محطات عابرة في حياة البطلة؛ كانوا أدوات لاكتشاف الذات. لذلك يمكن القول إن سارة لم تكن تبحث عن شخص يكملها، بل كانت تحاول أن تفهم نفسها عبر الأشخاص الذين مروا في حياتها.

أما عنوان الرواية "سحابة أورت" فيكشف عن واحد من أجمل مستويات البناء الرمزي في النص. فسحابة أورت تحيط بالنظام الشمسي وتضم أجساما بعيدة ساكنة ظاهريا، لكنها قد تنطلق فجأة نحو الداخل النظام لتصيبه بأضرار متفاوتة. وبالطريقة نفسها تبدو حياة سارة محاطة بعناصر كامنة لا تختفي أبدا: ذكريات، وشعور بالذنب، وحب مؤجل، وفقد، وأسئلة مؤجلة، وأحلام لم تكتمل. تظل هذه الأشياء بعيدة لبعض الوقت، لكنها لا تغادر حقا؛ إذ تعود فجأة لتصطدم بعالمها الداخلي وتعيد تشكيله.

كما أن الرواية لا تستعير سحابة أورت على مستوى المعنى فقط، بل تستعيرها أيضا على مستوى الشكل السردي. فالبنية لا تقوم على خط سردي مستقيم، بل تتكون من شظايا متناثرة: ذكريات، ورسائل، وأحلام، وقصص جانبية، وأسئلة، وشخصيات متعددة. تبدو هذه العناصر متباعدة في البداية، لكنها تدور جميعا حول مركز واحد: سارة وأزمتها الوجودية.

وهكذا لا تبدو سحابة أورت مجرد عنوان للرواية، بل مفتاحا لقراءتها كلها؛ فالنص نفسه يشبه تلك السحابة البعيدة: أشياء متناثرة ظاهريا، لكنها تدور حول مركز واحد، وتعود باستمرار لتصطدم بالشخصية وتعيد تشكيلها. إنها رواية لا تسأل كيف نعيش فحسب، بل تسأل أيضا: ماذا يبقى في داخلنا بعد أن نفقد ما كنا نظنه مركز حياتنا؟