نبض البلد -
سليم النجار
تتجاوز الحاجة الجمالية للإنسان مجالات الفنون التصويرية والبصرية. ثمة اهتمامات أخرى مغايرة، وكاشفة في ذات الوقت عن أذواق وموضوعات تثير اهتمام المتلقي عند قراءة رواية ما، تتراوح بين الإبداع واللذة.
رواية زهرة المنصوري "ليته كان هراء!"، وظفت الحوار في بنيتها السردية كقيمة جوهرية في بناء معمارها الروائي، أي العمل من أجل غايتها، فيمكننا أن نرى نشوء نمط آخر من القيم ذات ملامح تبدو في معظم الأحيان غامضة.
الحوار في رواية المنصوري ذو طبيعة وظيفية، خاصة في القسم الثاني من روايتها، "سليل الشجن"، لأغراض متعددة، وتقترن باحتياجاتها السردية لتجميل الواقع التخييلي لفضاء الرواية.
يتبدل مفهوم الحوار عند المنصوري من دلالات تشير، في البدء، إلى مفاهيم حاضرة في البنية السردية، إلى استعمال الحوار بطريقة محايدة، ليتحول إلى معنى أكثر إيجابية، في كون الحوار حاجة إنسانية. لذا، ينطوي الحوار على دوافع كامنة: (ـ يبدو أنني صرت لعبةً بين يديك؛ تقرر متى أبدأ ومتى أتوقف، وتختار لي العناوين. ص195).
هذه الدوافع تثير الشكوك، وحينما يندفع الحوار في بناء صورة قد تبدو، للوهلة الأولى، بالنسبة للمتلقي، صورة نمطية، تدفع إلى الاسترسال في بناء مخيلة تبعد قليلاً عن الواقع، على الرغم من أن مفردات الحوار مستقاة من الواقع الاجتماعي، الأمر الذي يمكن القول معه إن هذا التوظيف للغة الواقعية يشكل حاجزًا أمام المخيلة: (ـ ما الذي يمكن أن يبتغيه مني وهو يصفني بأسوأ الأوصاف؟
ـ أحسب أنه لا يعني ما يقول يا مصطفى. ثق أنه يريد أن يستفزك. ص204).
جزءٌ من الحوار في الرواية يهيمن على العلاقات الإنسانية التي تدفع إلى الاستهلاك الغرائزي، وإن تم تغليف هذا النمط من الاستهلاك برؤية بصرية: (ـ نساء منطقتنا كلهن جميلات!
ـ هي بالفعل ساحرة!
ـ هل أحببتها؟
ـ ومن لا يحب رؤيتها الرائعة للكون ونظرتها العميقة للأشياء؟ ص223).
في الجزء الثالث للرواية، الذي حمل عنوان "وليمة اللهيب"، أثارت الكاتبة المنصوري حساسية ذوقية في حواراتها، باتت تكشف عن وجودها، مأخوذة بنهاية الرؤية الكثيفة والحضور في الواقع، الموصوف بعدم التمهل: (ـ بل تفعل كل شيء بإتقان أفضل منكن جميعًا! ثيابها نظيفة، وسريرتها نقية. مذكرة ابنتها لم تكن تود سماعه:
ـ احمدي الله أنهم أعفوك من الخدمة هناك بسبب مرضك!
ـ أي مرض؟ أنا لست مريضة، ليس بي أي داء.
ـ بك علة، والسيد فاضل، شيخ القرية، هو الذي شفع لك عند القائد. ص295).
لقد أصبحت الذائقة الإنسانية تشهد تحولًا شديدًا لجهة البعد الكوني الذي طبع سلوكيات شخصيات الرواية، بمسميات يمكن وصفها بالاستحواذ والتأثير، تأخذ طابع الوصاية: (ـ لم أفعل...
ـ بلى، انحنيت مرتين.
ـ لا أذكر أني انحنيت. ص315).
لم يعد الحوار في الرواية يأخذ بُعدًا جماليًا خالصًا، أو نخبوياً، أو متعاليًا، أو ذهنيًا، إنه، في توظيفه المعاصر، يمضي حرًا باتجاه الواقع: (ـ هل تعرف أنني أستطيع أن أسجنك أو أقتلك دون أن يعرف أحد؟
ـ أعرف يا سيدي، أقسم أنني أعرف. تستطيع أن تفعل بي ما يطيب لك، لكن هناك شيء لا تستطيع فعله، هو أن تنتزعها من بين ضلوعي، أو تنتزعني من قلبها؛ لأني تسربت في كيانها، وغصت في ثنايا روحها. ص361).
الصورة الروائية عند المنصوري تتجلى في حواراتها المنتشرة في سردها، الذي يأخذ طابع الأنا المتدرجة من الأنا، وكان صاحب استقلال فن الصورة الشخصية بداية لـ"أنا أفكر" لديكارت، تلك المقولة التي أسست لفكرة الذات، من ابتكارات المسار التنويري لفن الرواية. الحوار، في هذا السياق، ينطوي على فسحة من الأمل الإنساني: (ـ لم أستطع قضاء العيد بعيدًا عنكم. لم أكن لأتغيب خلال هذه المناسبة المباركة، رغم انشغالاتي.
ـ حسنًا فعلت، فأمك ما كانت لتستوعب أن تمضي العيد بعيدًا عنا. بُعدك نار كاوية. بدونك لا تحس بالحياة؛ لأنك أنت الحياة. ص411).
تعد الذات الحوارية في رواية المنصوري لها دلالاتها الاجتماعية والثقافية، تحظى بموقع فكري مستقى من البيئة الشعبية المغربية؛ لأن الفكرة في الحوار واقعية ومجسدة وغير غامضة، تخلق وحدها، في فضاء إنسانيتها، رمزًا يعطي إشارة للتواصل بين الأجيال: (ـ إنه حفيدي، وأرغب في أن أسميه باسم أبيه.
ـ أجل، سأسميه إدريس. أخذ الله منا إدريس، ثم منَّ علينا بإدريس صغير. ص434).
لقد كانت الذات الحوارية في رواية "ليته كان هراء!" حوارًا جوانيًا لكل ممارسة سردية تأملية، حيث تشير إلى هوية السارد، باعتبارها موضوعًا للتفكير: (ـ ما عاد باليد حيلة.
ـ اصرف وأحضر ابنك.
ـ سأذهب الآن، لكن من أجل غاية أخرى. ص520).
في خضم هذا التطاحن، كان الحوار في الرواية ذاتًا يمثل موضوعًا فنيًا وجماليًا أكثر مغايرة. لكن، على عتبات الحوار في رواية "ليته كان هراء!"، كان سردًا قلقًا يختبئ خلفه سؤال: هل كان الهراء محاولة جادة في بناء مجتمع روائي قابل للرصد الاجتماعي والتحقق في فترة زمنية ما؟ أم كان محاولة لتأريخ المجتمع المغربي؟ هذا السؤال متروك للمتلقي للبحث عن الإجابة التي تخاطب وعيه، على ألا يكون هراءً.