ساعة الصفر للأمن المائي: "الناقل الوطني" يكسر قيود المديونية ويرسم خارطة الاستقلال المالي والسيادي للأردن

نبض البلد -
الحكومة تكشف "للانباط "عن خطة عاجلة لمعالجة 55% من الفاقد المائي في أبو علندا

الانباط - فايز الشاقلدي
كشف وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، أن منطقة "أبو علندا" تشهد واحداً من أعلى مستويات الفاقد المائي في العاصمة، حيث بلغت النسبة نحو 55%، مما يستوجب تدخلاً فنياً فورياً لإعادة تأهيل الشبكات ووقف نزيف الموارد المائية.
ورداً على استفسارات (مندوب الأنباط)، كشف عن تحرك حكومي واسع النطاق شمل التواصل والتفاوض مع 75 شركة خاصة وجهة استشارية متخصصة، وذلك تمهيداً لطرح عطاءات دولية ومحلية تهدف إلى معالجة هذا الفاقد الجسيم.
وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه الحكومة لإشراك القطاع الخاص في إدارة وصيانة شبكات المياه لرفع كفاءة التزويد المائي، وضمان وصول المياه للمواطنين بعدالة وتقليل الكلف الناتجة عن الهدر الفني والإداري في تلك المناطق.
وفي لحظة تاريخية فارقة، شهد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان التوقيع على الاتفاقية الفنية والقانونية النهائية لمشروع "الناقل الوطني للمياه"، معلناً بذلك دخول المملكة عصر "السيادة المائية" الفعلية. هذا المشروع الذي لم يعد مجرد خطة على الورق، بل أصبح "ساعة صفر" وطنية ستبدأ أعمالها الإنشائية والحفر مطلع الصيف المقبل، لينهي عقوداً من استنزاف الأحواض الجوفية ويضع حداً للمديونية المتراكمة التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني.
فاتورة الاستقلال المائي: أرقام غير مسبوقة
بكلفة رأسمالية تقدر بـ 4.3 مليار دولار، وكلفة إجمالية تصل إلى 5.8 مليار دولار شاملة كلف التمويل، يتربع الناقل الوطني كأكبر مشروع رأسمالي في تاريخ المملكة على الإطلاق. هذه الاتفاقية النهائية لم تأتِ وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة جهود دبلوماسية وفنية مضنية قادتها الحكومة على مدار 16 شهراً من المفاوضات الشاقة مع الشركاء الدوليين والشركات المنفذة، بهدف تحسين شروط التمويل وتحقيق أفضل سعر ممكن للمواطن الأردني، مع رفع المواصفات الهندسية والفنية للمشروع لضمان استدامته لعقود.
كسر "شرنقة" المديونية والطاقة
لقد وضع الدكتور جعفر حسان يده على الجرح النازف للموازنة العامة؛ فمديونية سلطة المياه تشكل اليوم حوالي 12% من إجمالي الدين العام، وهي مديونية مرتبطة بشكل عضوي بكلفة الطاقة العالية المطلوبة لاستخراج المياه من الأعماق الجوفية السحيقة. من هنا، يأتي الناقل الوطني كحل جذري وليس تجميلياً؛ فالمشروع سيعتمد على الطاقة المتجددة عبر إنشاء حقول شمسية بقدرة 300 ميجاواط، لتغطي 30% من احتياجاته الكهربائية، مما يقلص الاعتماد على المصادر التقليدية المكلفة ويحمي القطاع من تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
ثورة في حياة المواطن: 3 أيام ضخ أسبوعياً
إن لغة الأرقام في هذا المشروع تتحدث مباشرة إلى قلب كل منزل أردني؛ فالمشروع الذي سيبدأ ضخ مياهه عام 2030، سيوفر 300 مليون متر مكعب سنوياً من مياه البحر المحلاة، وهي سعة تقترب من السعة الاستيعابية لجميع سدود المملكة مجتمعة، وتساوي ثلاثة أضعاف إنتاج مشروع الديسي الحالي.
الأثر المباشر سيكون ملموساً برفع حصة الفرد السنوية من 60 إلى 110 أمتار مكعبة، وزيادة أيام التزويد المائي لتصل إلى ثلاثة أيام في الأسبوع بدلاً من يوم واحد، وفي جميع محافظات المملكة دون استثناء. والأهم من ذلك، هو النجاح في خفض السعر التأشيري للمتر المكعب من 3 دولارات إلى نحو 2.7 دولار، وهو إنجاز تفاوضي يحسب للحكومة في ظل التضخم العالمي المتسارع.
أكبر تحالف مالي عالمي ومحلي
يعكس المشروع ثقة دولية هائلة في الاستقرار الأردني، حيث اصطفت 29 جهة مانحة ومؤسسة تمويل دولية خلف هذا المشروع، بمنح إجمالية وصلت إلى 663 مليون دولار مقدمة من قوى عظمى وتكتلات دولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وألمانيا، وبريطانيا، واليابان.
إلى جانب هذا الدعم الدولي، يبرز "الذراع المالي الوطني" كشريك استراتيجي؛ حيث يقود بنك الإسكان تحالفاً للبنوك التجارية الأردنية بتمويل يصل إلى 1.1 مليار دولار، بمشاركة محورية من صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، الذي لم يكتفِ بالتمويل بل دخل كشريك مساهم في رأس مال المشروع مع شركة "ميريديام". أما الحكومة، فقد قدمت أكبر مساهمة مالية في تاريخ الموازنة لمشروع واحد بقيمة 722 مليون دولار، بهدف رئيسي هو تقليل كلف سعر المياه على المواطن.
توطين الصناعة واستثمارات "أولى من نوعها"
لن يكتفي الناقل الوطني بكونه مشروعاً للمياه، بل سيتحول إلى رافعة اقتصادية كبرى من خلال توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. والأهم هو ما كشفته المصادر حول "توطين صناعة الأنابيب" الضخمة في المملكة لأول مرة، مما يفتح الباب لاستثمارات تقنية لم تكن موجودة سابقاً، ويعزز من كفاءة القطاع الخاص الأردني في تنفيذ مشاريع البنى التحتية العملاقة.
الأمن المائي حتى عام 2040
يُنفذ المشروع وفق نموذج (BOT) -البناء والتشغيل ونقل الملكية- حيث ستؤول ملكية هذه المنظومة العملاقة بالكامل للحكومة الأردنية بعد 26 عاماً من التشغيل. هذا التخطيط الاستراتيجي يضمن كفاية الاحتياجات المائية للمملكة حتى عام 2040، ويحقق توازناً دقيقاً بين الأمن المائي، الاستدامة البيئية، والنمو الاقتصادي، تماشياً مع "رؤية التحديث الاقتصادي" التي وضعها جلالة الملك كخارطة طريق للمستقبل.
من الرؤية إلى الواقع
بينما تستمر المفاوضات النهائية لاحتساب معادلة التضخم للوصول إلى الغلق المالي في تموز المقبل، يرسل الأردن رسالة واضحة للعالم: إننا لا ننتظر الحلول بل نصنعها. إن مشروع الناقل الوطني هو الرد الأردني الحاسم على شح المياه، وهو الجسر الذي سنعبر من خلاله نحو استدامة اقتصادية وخدمية تليق بالأردنيين، وتنهي إلى الأبد عصر "القلق المائي" الذي طال أمده.