الأمن الغذائي تحت العتبة

نبض البلد - المحامية هبه ابو وردة

صرحت الجهات الأمنية الأردنية بأن الأنشطة السيبرانية المشبوهة كانت ذات أصل إيراني، استنادا إلى تحليل الأدلة الرقمية من قبل خبراء مختصين، وهو ما يوجب قراءته بدقة قانونية واستراتيجية.
استهداف مرفق حيوي كصوامع القمح عبر هجوم سيبراني يُفهم ضمن منطق الحرب تحت العتبة أو ما يعرف بالحرب الرمادية، والتي تهدف إلى اختبار قدرة الدولة على الصمود، وإرباك بنيتها النفسية والاقتصادية دون إعلان حرب صريحة.
اختيار صوامع القمح، يعود إلى أسباب عديدة منها ان الأمن الغذائي يكاد يكون أهم ركيزة من ركائز الأمن القومي الشامل، وبالتالي نحن أمام محاولة مباشرة لإضعاف قدرة الأردن على التحمل الداخلي، ووضعه امام معركة سيادية بامتياز، لأن المساس بالغذاء هو مساس بالعقد الضمني بين الدولة ومجتمعها.
الدولة الحديثة تقوم على اطمئنان عام بأنها قادرة على تأمين الغذاء والطاقة والاستقرار، مما يعني أن مجرد محاولة اختراق قد يزرع قلقا في الشارع، ويحدث أثرا نفسيا يفوق الضرر التقني ذاته، وهو ما تراه العين السياسية الهدف المباشر من ضرب الثقة.
أما من الناحية التقنية، فإن اختبار الجاهزية السيبرانية عبر ما يسمى استراتيجيا "جس النبض الدفاعي"، فان الهدف لا يكون بمثل هذه الحروب التدمير الفوري، إنما قياس زمن الاستجابة، كفاءة التنسيق بين المؤسسات وقدرة أنظمة الحماية على العزل والاحتواء، وهو ما لا يقل قيمة عن أي موقع عسكري في ميزان الصراعات الحديثة.
وفي سياق غير منفصل، فإن الهجوم السيبراني هو أداة رسالة سياسية غير المباشرة منخفضة التكلفة عالية التأثير، توصل بوضوح القدرة على الوصول إلى العمق الاستراتيجي، بمعنى اوضح هي احدى أدوات إدارة التوازنات دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
من الناحية الاقتصادية، فإن هذه الحرب لها قدرة فائقة في زعزعة الاستقرار الاقتصادي؛ لأن الأمن الغذائي مرتبط بالعملة، الأسواق، سلاسل الاستيراد والتصنيف الائتماني، والاستقرار هنا يقاس بسرعة الاكتشاف، فعالية الاحتواء وهدوء الإدارة.
معيار القوة في الحرب غير المعلنة، هو القدرة على إدارة الأزمة بثبات، ومنع تحول المحاولة التقنية إلى أزمة ثقة وطنية، وهنا تجلت قوة الأردن في سرعتها، تماسكها وفي قدرتها على تحويل جس النبض الدفاعي إلى رسالة معاكسة مفادها أن أعصابه محصنة، حتى إن لامسه الاختبار.
من زاوية القانون الدولي العام، فإن أي عملية سيبرانية تستهدف مرفقا وطنيا سياديا لا يمكن اختزالها في بعدها التقني فقط، إنما يقرأ ضمن الإطار الناظم لاستخدام القوة في العلاقات الدولية، لاسيما المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر على الدول استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي؛ فليس شكل الوسيلة هو المعيار إنما أثرها.
فإذا بلغ الهجوم السيبراني من الجسامة ما يماثل في نتائجه هجوما ماديا من حيث التخريب الفعلي أو التعطيل، فإنه قد يرتقي إلى مستوى استخدام القوة المحظورة، مما يدخله ضمن دائرة عدم المشروعية الدولية.
أما في الحالات التي لا تبلغ عتبة استخدام القوة المسلحة بالمعنى التقليدي، فإن مبدأ السيادة يبقى قائما بوصفه قاعدة مؤسسة للنظام الدولي، واختراق أنظمة إدارة مرفق وطني سيادي، كصوامع القمح أو منظومات الأمن الغذائي، يعد مساسا مباشرا بالاختصاص الحصري للدولة على إقليمها وبنيتها الإدارية.
في الفقه الحديث للفضاء السيبراني، كما بلوره دليل تالين حول تطبيق القانون الدولي على العمليات السيبرانية، يعد العمل غير مشروع إذا انتهك سيادة الدولة، أو أحدث أضرارا جسيمة، أو شكل تدخلا قسريا في شؤونها الداخلية، ومعيار التدخل القسري يتحقق متى كان الفعل يرمي إلى التأثير في خيارات الدولة السيادية أو إكراهها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
أما في حال وجود نزاع مسلح قائم، فإن الإطار القانوني ينتقل إلى أحكام القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف ومبادئها العرفية، والتي تحظر استهداف الأعيان المدنية والبنى التحتية الضرورية لبقاء السكان المدنيين، ومنها المنشآت المرتبطة بالغذاء والمياه والطاقة، وقد يشكل اختراقا لمبدأ التمييز الذي يفرض الفصل بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، كما قد يخرق مبدأ التناسب إذا كانت الأضرار المتوقعة على المدنيين مفرطة قياسا بالميزة العسكرية المرجوة.
بذلك، فإن أي هجوم سيبراني يستهدف منظومات إدارة مرفق غذائي وطني يتقاطع مع ثلاث دوائر قانونية متداخلة، حظر استخدام القوة، ومبدأ السيادة وعدم التدخل، وقواعد حماية المدنيين في زمن النزاعات المسلحة، والنتيجة أن الفضاء السيبراني ليس فراغا قانونيا إنما امتدادا للمجال الذي تسري فيه ذات القواعد المؤسسة للنظام الدولي، وإن اختلفت أدوات الصراع فيه.
صوامع القمح في صورتها المعاصرة لم تعد مجرد كتل إسمنتية تخزن الحبوب، فقد تحولت إلى منظومات تشغيل رقمية متكاملة، تتقاطع فيها الهندسة الصناعية مع البرمجيات والشبكات، حيث انه داخل كل صومعة حديثة يوجد نظام تحكم صناعي، حساسات دقيقة لقياس الحرارة والرطوبة، أنظمة تهوية وتبريد،، برمجيات لإدارة المخزون وحركة الدخول والخروج وشبكات اتصال ترتبط بجهات مركزية كوزارة الصناعة أو الشركة المشغلة، وهذه المنظومة تدار عبر بيئة رقمية كاملة، وهنا يدخل الأمن السيبراني بوصفه خط الدفاع الأول غير المرئي.
فإذا تم اختراق نظام التحكم، يمكن نظريا التلاعب بدرجات الحرارة، إيقاف أنظمة التهوية، تغيير بيانات المخزون، أو تعطيل عمليات التفريغ والتعبئة، والقمح بطبيعته مادة شديدة الحساسية للرطوبة والحرارة؛ أي خلل محسوب قد يؤدي إلى تلف آلاف الأطنان بصمت، وهذا هو جوهر التحول في طبيعة التهديد، حيث الضرر قد يكون ماديا لكن أداته رقمية.
سياسيا، هذه المعادلة تعني أن الأمن السيبراني لم يعد شأنا تقنيا محدودا، فقد أصبح جزءا عضويا من الأمن الغذائي، بكلمات أكثر وضوحا، حماية صوامع القمح اليوم تتحقق بالحراسة العسكرية، الأسوار المادية وبجدار ناري رقمي يحصن أنظمة التحكم ويمنع تحويل الكود البرمجي إلى أداة تخريب.
هذا هو التحول العميق في مفهوم الدولة الحديثة، حيث البنية التحتية المادية أصبحت ملتصقة ببنية تحتية رقمية لا تقل أهمية عنها، أي اختراق في الفضاء السيبراني قد يترجم مباشرة إلى أثر مادي على الأرض. ومن هنا يتكرس مصطلح حماية البنى التحتية الحيوية، باعتبارها شبكة متداخلة من المنشآت المادية والأنظمة الرقمية التي يقوم عليها استقرار الدولة.