بين القاذفات العابرة ومسيرات "الأذرع": كيف تحصّن عمان أجواءها من صراع الوكالات؟

نبض البلد -
محسن الشوبكي 

يقف الأردن اليوم أمام اختبار جغرافي وسياسي معقد، ليس لكونه طرفاً في نزاع، بل لوقوعه في قلب "قوس النفوذ" الذي تحاول طهران ترسيم حدوده بالنار والمسيرات. إن التاريخ القريب للتهديدات الإيرانية تجاه دول المنطقة، والتي لم يكن الأردن بمنأى عنها، يثبت أن الاستراتيجية الإيرانية لا تعتمد دائماً على المواجهة المباشرة، بل على سياسة "الخنق الجغرافي" واستهداف استقرار الدول التي ترفض الانخراط في مشروعها الإقليمي. هذه التهديدات لم تعد مجرد تصريحات إعلامية، بل تحولت إلى واقع ميداني يفرض نفسه عبر محاولات استغلال الأجواء والحدود كمنصات لتوجيه الرسائل السياسية والعسكرية.
وفي ظل حالة الترقب الدولي، يبرز الموقف الأردني الرسمي بكل وضوح وحسم، حيث صرحت عمان بشكل مباشر بأنها لن تكون منطلقاً لأي هجوم عسكري، وهي غير معنية بالتحركات العسكرية الامريكية في المنطقة. هذا الموقف يستند إلى رؤية واقعية تشير إلى أن القوة الأمريكية الضاربة، في حال قررت التحرك، ستعتمد أساساً على الأساطيل البحرية والقاذفات الاستراتيجية العابرة للقارات والمتمركزة خارج الإقليم، مما ينفي الحاجة العملياتية لاستخدام الأراضي الأردنية كقاعدة انطلاق، ويؤكد أن إقحام اسم الأردن في هذه الحسابات هو محاولة لتوسيع الرد الايراني ضد الدول وليس ضد امريكا نفسها .
ومع ذلك، تبرز المخاوف من شكل الرد الإيراني "غير المتناظر"، والذي قد يتمثل في تحويل الأجواء الأردنية إلى مسرح لمرور الصواريخ والمسيرات، في محاولة لكسر قواعد الاشتباك وفرض واقع سيادي جديد. إن الخطورة الحقيقية تكمن في "وكلاء إيران" الذين باتوا يطوقون الحدود الأردنية؛ حيث تبرز التنظيمات العراقية الموالية لايران كخطر داهم بقدرتها على المناورة قرب الحدود الاردنية ، بالإضافة إلى الدور اللوجستي لـ "حزب الله" اللبناني. هؤلاء الوكلاء يعملون كأذرع إنكار لخدمة الأجندة الإيرانية، وقد يتجهون نحو تصعيد يستهدف المرافق الحيوية داخل الاردن لدعم الموقف الايراني ، وتهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الاستقرار وإحراج الدولة في محيطها.
ويضاف لذلك ، ان هناك هجوما مكثفا على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي ضد الدولة الاردنية تديرها حسابات ايرانية وحسابات اخرى تتبع لاذرعها ، وتستهدف التشكيك الدائم بالاردن والاساءة اليه ، إن هذا الضجيج الرقمي ليس معزولاً عن حركة المسيرات في الأجواء، بل هو 'غطاء جوي دعائي' يهدف إلى تكبيل يد الدولة عن حماية سيادتها عبر تخويفها من رد الفعل الشعبي المُضلل.
إن الموقف الأردني الحازم في حماية سيادته يواجه اليوم ضغوطاً من أطراف لا تقيم وزناً لاستقرار الدول . فإيران، عبر أذرعها، تحاول ممارسة "الابتزاز الجغرافي" للضغط على مراكز القرار، مما يجعل اليقظة الأردنية في أعلى مستوياتها ليس فقط لصد أي عدوان خارجي، بل لتحصين الساحة المحلية من أي اختراقات قد تستغل حالة الاضطراب الإقليمي. والمرحلة تتطلب قراءة واقعية لحجم الأطماع التي تحيط بالحدود، والتحضير الاستباقي لأية سيناريوهات مفاجئة .