"الدولة المرِنة حين يصبح الوطن فكرةً قادرة على النجاة"

نبض البلد -


ليست الدولة جدرانًا تُشيَّد، ولا نصوصًا تُدوَّن في دفاتر القوانين فحسب؛ الدولة روحٌ تسكن في ضمير شعبها، وتتمدد في وعي مؤسساتها، وتختبر صدقها كلما هبّت عليها رياح التحولات. وفي زمنٍ تتسارع فيه الوقائع، وتذوب فيه الحدود بين المحلي والعالمي، لم يعد البقاء للأقوى بمعناه التقليدي، بل للأقدر على التكيّف دون أن يفقد جوهره. هنا تولد فكرة الدولة المرِنة؛ لا بوصفها تنازلاً، بل باعتبارها ذروة النضج السياسي والاجتماعي.
الدولة المرِنة ليست دولة رخوة، وليست كيانًا يبدّل مبادئه كلما تبدّلت الظروف. إنها الدولة التي تعرف الفرق بين الثابت والمتغير، بين المقدّس الإداري والعرضي الإجرائي. هي التي تحمي ثوابتها بالقانون، لكنها تفتح نوافذها للاجتهاد. تعرف أن الجمود موتٌ مؤجل، وأن الإفراط في الصلابة قد يكسر البنيان من الداخل قبل أن تصيبه العواصف من الخارج.
في علم الاجتماع، تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج توازنها. وكذلك الدولة؛ حين تقع أزمة اقتصادية، أو تحوّل سياسي، أو اضطراب إقليمي، فإن المرونة لا تعني الإنكار ولا الارتباك، بل تعني إدارة التحول بعقل بارد وقلبٍ مسؤول. المرونة هي أن تستمع الدولة إلى نبض مجتمعها، أن تقرأ التحولات الديموغرافية والثقافية، أن تعيد صياغة سياساتها بما يحفظ الكرامة ويعزز العدالة.
الدولة المرِنة تُدرك أن السلطة ليست غاية، بل أداة لتنظيم الحياة العامة. هي دولة تحاور قبل أن تفرض، وتُقنع قبل أن تُلزم، وتُشرك قبل أن تُقصي. تدرك أن شرعيتها الحقيقية لا تُستمد من النصوص وحدها، بل من الثقة المتبادلة بينها وبين مواطنيها. الثقة هنا ليست شعارًا سياسيًا، بل رأس مالٍ اجتماعي لا يُقدّر بثمن.
في عالم الاقتصاد، المرونة تعني تنويع الخيارات، وتحديث التشريعات، واستشراف المستقبل بدل الارتهان للماضي. وفي التعليم، تعني إعداد أجيال قادرة على التفكير النقدي، لا مجرد حفظ الإجابات. وفي الإدارة العامة، تعني التحول من البيروقراطية الثقيلة إلى الحوكمة الرشيقة التي تُقاس بالنتائج لا بالشعارات.
لكن أخطر ما يهدد الدول ليس الفقر المادي فحسب، بل الفقر في الرؤية. الدولة المرِنة هي التي تمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا، لكنها لا تتعامل معه كوثيقة جامدة، بل ككائن حي يتطور مع الزمن. تحافظ على هويتها الثقافية، لكنها لا تخاف من الانفتاح. تحمي أمنها، لكنها لا تغلق أبوابها أمام الإبداع.
الفلسفة السياسية الحديثة لم تعد ترى في الدولة مجرد سلطة سيادية، بل شبكة علاقات متداخلة بين الفرد والمؤسسة والمجتمع. المرونة هنا تعني التوازن: توازن بين الحرية والنظام، بين الحقوق والواجبات، بين المركزية واللامركزية. وكلما اختل هذا الميزان، احتاجت الدولة إلى مراجعة ذاتها بشجاعة.
إن الدولة المرِنة لا تنتظر الأزمات لتتحرك، بل تبني أنظمة إنذار مبكر، وتؤسس لثقافة التعلّم المستمر. تعترف بالخطأ، وتصححه، وتعتبر النقد فرصة لا تهديدًا. هذه الشفافية ليست ضعفًا، بل علامة قوة أخلاقية وسياسية.
ولعل أجمل ما في الدولة المرِنة أنها تُشعر المواطن بأنه شريك لا تابع، وأن صوته مسموع لا مؤجل. حين يشعر الإنسان أن دولته تنصت له، يحميها كما يحمي بيته، ويدافع عنها كما يدافع عن كرامته.
في النهاية، ليست المرونة ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فالدولة التي لا تتغير تموت ببطء، والدولة التي تتغير بلا بوصلة تتيه سريعًا. أما الدولة المرِنة فهي التي تمشي على خيطٍ دقيق بين الثبات والتجدد، بين الحكمة والجرأة، بين الأصالة والمعاصرة.
وأقولها يقينًا:
"الدولة القوية ليست التي تقاوم الريح، بل التي تعرف كيف توجّه أشرعتها.”
بقلمي ✒️ د عمّار محمد الرجوب