فأر بشري في مختبرٍ كبير

نبض البلد -
 فأر بشري في مختبرٍ كبير
فارس قاقيش
نيويورك
٢٤ فبراير ٢٠٢٦
دافعتُ عن هذا البلد طويلًا.
دافعتُ عنه في نقاشاتٍ خارج حدوده، حيث يُحسَد أحيانًا ويُساء فهمه أحيانًا أخرى. دافعتُ عن علمه، عن جامعاته، عن طبّه، وعن قدرته على أن يمنح الإنسان فرصة حقيقية ليبني حياته بكرامة.
ولن أكرهه.
لكن خلال السنوات الماضية، بدأت أشعر بشيء مختلف لا علاقة له بالسياسة، بل ببنية الخدمات الطبية.
أكثر من مرة، داخل النظام الطبي، شعرتُ أنني صغير جدًا.
ليس لأن أحدًا ظلمني.
ولا لأنه أُسيئت معاملتي.
بل لأن النظام نفسه أكبر من الإنسان.
دعني أروي لكم أربع تجارب شخصية من أميركا الشمالية.
التجربة الشخصية الأولى: الفتق
تشخيص بسيط. فتق.
حوّلني طبيبي إلى أخصائي، وبعد الفحص قال لي:
"الخميس، الثانية ظهرًا، الطوارئ في مستشفى الجامعة.”
استغربت. لم تكن حالة طارئة. لكنني ذهبت.
لبستُ الرداء الطبي. عُقّم المكان. دخلت غرفة العمليات. خرجت مساءً إلى البيت.
شقّ طويل. غرز كثيرة. تعافٍ أبطأ مما توقعت.
لاحقًا، عندما راجعت تفاصيل الفوترة، فهمت أن دخول المريض عبر قسم الطوارئ يغيّر تصنيف التكلفة، وأن بعض الإجراءات الجراحية تحتسب بمعدلات مختلفة بحسب درجة التدخّل ومكان الإجراء.
لم أكن أعي هذه الفروق يومها.
كنتُ مريضًا، لا خبيرًا في أنظمة التأمين.
وقّعتُ فقط.
التجربة الشخصية الثانية: القلب
كنتُ مدخنًا شرسًا لسنوات طويلة. وفي يومٍ ما شعرتُ بثقلٍ في صدري ودوارٍ غريب.
مركز الرعاية السريعة قال إن التخطيط طبيعي.
أخي الطبيب قال: "اذهب فورًا للتشخيص”
في مستشفى الجامعة تم تركيب ست شبكات شريانية دقيقة داخل ثلاثة من شرايين القلب.
ست شبكات. ربما أنقذت حياتي.
بعد عام، عاد الألم. مستشفى آخر. تشخيص جديد. أُضيفت شبكة أخرى.
حين يقول لك الطبيب: "قد تموت”،
لا تبحث عن مقالات علمية.
لا تطلب مقارنة إحصائية.
فقط توقّع ما سيحصل لك.
لاحقًا تساءل بعض الأطباء إذا كانت الشبكة الأخيرة ضرورية!
التجربة الشخصية الثالثة: الحادث
صدمتني سيارة وأنا على دراجتي.
كدمات فقط. لا كسور.
المستشفى أجرى كل الفحوصات الممكنة. تصوير شامل. دقة كاملة. كنت ممتنًا لذلك.
بعد أسابيع وصلني كشف الحساب:
اثنان وثلاثون ألف دولار.
بندٌ واحد: مسحات قطن وكحول — 385 دولارًا.
حدّقتُ في الرقم طويلًا.
كان لدي تأمين.
لكنني فكرتُ في شابٍ لا يملك تأمينًا. في عائلة تبدأ حياتها. في شخصٍ قد يغيّر حادث واحد مسار استقراره بالكامل.
التجربة الرابعة: الصيدلية
هذه ليست قصتي، بل قصة صديق.
رياضي طوال حياته. قوي. منضبط.
ركض يومًا… فخانه الهواء.
التشخيص: مرض نادر يصيب القلب بسبب خلل في عمل أحد البروتينات.
هناك دواء قد يبطئ تقدّم المرض.
في الصيدلية أخرج عشرين دولارًا من جيبه…
ظنًّا منه أن الأمر لا يتجاوز ثمن وجبة.
قالت له الصيدلانية بهدوء:
ألف وخمسمئة وتسعة وثلاثون دولارًا.
وشهريًا.
طوال الحياة.
في تلك اللحظة، لم يُنهكه المرض.
أنهكه الرقم.
ما يؤلمني
أنا لست غاضبًا.
الطب هنا متقدم. أنقذني. أنقذ صديقي. العلم حقيقي، والإنجاز حقيقي.
لكن داخل هذا النظام، هناك فرق صامت.
قضيتُ عمري المهني في التجارة.
أخذتُ وأعطيتُ. فاوضتُ على السعر. بنيتُ هامش الربح وخفّضته حين لزم الأمر.
وأعرف شيئًا واحدًا بوضوح: لا قداسة في "البزنس".
الربح ليس خطيئة.
لكنه حافز.
وحين يصبح النظام الصحي جزءًا من منظومة تجارية،
فإنه يخضع "شئنا أم أبينا"  لقوانين الحوافز.
لا أزعم أن أحدًا تعمّد شيئًا.
لكنني أعرف من خبرتي أن النظام يسير حيث تدفعه الحوافز.
والمريض، في الغالب، لا يرى تلك الحوافز.
ليس هناك نظامان صحيّان.
لكن، هناك تجربتان للنظام نفسه.
تجربة مُحصَّنة: مدخرات، علاقات، وقت، قدرة على طلب رأي ثانٍ دون خوف.
وتجربة غير مُحصَّنة: قرارات تتخذ تحت الضغط، أظرف تُفتح بقلق، أرقام تُقرأ برعشة.
العلم واحد.
المستشفى واحد.
العلاج واحد.
لكن القدرة على امتصاص الصدمة مختلفة.
المفارقة ليست في وجود الفقر.
الفقر موجود في كل المجتمعات.
المفارقة أن يعيش إنسان خوفًا بهذا الحجم داخل أغنى وأقوى نظام اقتصادي عرفه التاريخ الإنساني.
أن يعيش في دولة تقود العالم في التكنولوجيا والطب والبحث العلمي…
ثم يخشى مواطنها أن تسقطه فاتورة واحدة.
عائلة تملك احتياطيًا ماليًا قد ترى في فاتورة بمئتي ألف دولار أزمة يمكن إدارتها.
أما عائلة محدودة الدخل، فقد تعني لها الفاتورة نفسها سنوات من الديون، تأجيل تعليم الأبناء، تأخير شراء منزل، قلقًا دائمًا من الطارئ القادم.
المرض واحد. العلاج واحد. لكنّ هامش الاستجابة مختلف.
وقوة الأمم لا تُقاس فقط بحجم ناتجها القومي، وبعدد براءات الاختراع، وبسرعة تطور علومها، بل أيضا بمدى قدرتها على أن تجعل القلق المالي أقل حضورًا من الخوف المرضي.
فحين يخاف الإنسان من الفاتورة أكثر مما يخاف من التشخيص، هناك سؤال يستحق أن يُطرح. ليس غضبًا أو اتهامًا، بل حرصًا على نظام نريده أن يبقى قويًا… وعادلًا في آنٍ معًا. فإذا كانت عدالته غائبة مع دول العالم، فعلى الأقل نأمل أن يصبح أكثر عدالة مع مواطنيه.