نبض البلد - الأردن والعمل المناخي: مسؤولية وطنية في يوم البيئة العالمي
المحامي الدكتور علي سليم الحموري
في يوم البيئة العالمي، الذي يصادف الخامس من حزيران من كل عام، لا يقف العالم أمام مناسبة رمزية للاحتفاء بالطبيعة فحسب، بل أمام لحظة مراجعة حقيقية لعلاقة الإنسان بالكوكب، ولمدى جدية الدول والمجتمعات في مواجهة أحد أخطر التحديات المعاصرة: تغيّر المناخ.
لقد باتت الأرض ترسل إشارات واضحة لا يمكن تجاهلها؛ درجات حرارة قياسية، وموجات جفاف متكررة، وحرائق أكثر شدة، وعواصف وفيضانات أكثر تطرفًا، وتراجع متسارع في النظم البيئية. ولم يعد تغيّر المناخ خطرًا بعيدًا أو قضية تخص الأجيال القادمة وحدها، بل أصبح واقعًا حاضرًا يعيد تشكيل حياة الناس، ويؤثر في المياه والغذاء والصحة والطاقة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا، تأتي دعوة يوم البيئة العالمي لعام 2026 إلى العمل المناخي اليوم بوصفها نداءً عالميًا عاجلًا لا يحتمل التأجيل. فحماية البيئة لم تعد مسألة اختيارية، بل أصبحت واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا وتنمويًا يرتبط بحق الإنسان في الحياة، والصحة، والمياه، والغذاء، والعيش في بيئة سليمة وآمنة ومستدامة.
ومن منظور القانون الدولي البيئي، لم يعد العمل المناخي مجرد التزام سياسي عام، بل أصبح جزءًا من منظومة قانونية دولية متكاملة كرّستها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، واتفاق باريس لعام 2015، والمبادئ الدولية المستقرة، مثل: مبدأ الوقاية، ومبدأ الحيطة، ومبدأ المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة، ومبدأ العدالة بين الأجيال. وتؤكد هذه المبادئ أن حماية المناخ ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والأفراد.
وقد تعزز هذا الاتجاه مع اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الداعم للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول المتعلقة بتغيّر المناخ، والذي حظي بتأييد واسع بلغ 141 صوتًا. وقد أكد الرأي الاستشاري الصادر في تموز 2025 أن حماية النظام المناخي والبيئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لم تعد مجرد تعهد سياسي، بل واجب قانوني يستند إلى قواعد القانون الدولي، وحقوق الإنسان، ومبادئ العناية الواجبة والتعاون الدولي. كما أوضحت المحكمة أن إخلال الدول بهذه الالتزامات قد يرتب مسؤولية دولية، بما في ذلك وقف السلوك المخالف، وضمان عدم تكراره، والتعويض الكامل بحسب ظروف كل حالة. وبذلك، يبعث قرار الجمعية العامة رسالة واضحة مفادها أن التصدي لأزمة المناخ أصبح واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا لحماية الإنسان والبيئة والأجيال القادمة.
وفي السياق الأردني، تكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة. فالأردن من الدول الأكثر تأثرًا بندرة المياه، والجفاف، وتراجع الهطول المطري، وارتفاع درجات الحرارة، رغم أن مساهمته في الانبعاثات العالمية محدودة. ولذلك، فإن تغيّر المناخ في الأردن ليس قضية بيئية مجردة، بل قضية أمن وطني، وعدالة اجتماعية، وحق إنساني، وتنمية مستدامة.
فشح المياه في الأردن لا يرتبط فقط بندرة المورد الطبيعي، بل ينعكس على الزراعة، والأمن الغذائي، والصحة العامة، والاستثمار، واستقرار المجتمعات المحلية. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد الضغط على قطاع الطاقة، ويؤثر في الإنتاج الزراعي، ويضاعف هشاشة الفئات الأقل قدرة على التكيف، ولا سيما في المناطق الريفية، والبادية، والمناطق الأقل خدمة.
وتكشف المؤشرات الدولية أن السنوات الممتدة بين عامي 2015 و2025 كانت من أكثر السنوات حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، وأن الجفاف قد يؤثر في أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم بحلول عام 2050. وهذه الأرقام ليست بعيدة عن الأردن، بل تمثل إنذارًا مباشرًا لدولة تعيش أصلًا تحت ضغط مائي ومناخي متزايد. ومن ثم، فإن التعامل مع المناخ في الأردن يجب ألا يكون ترفًا بيئيًا أو خطابًا موسميًا، بل أولوية وطنية دائمة.
لقد خطا الأردن خطوات مهمة في تطوير منظومته البيئية والمناخية، من خلال التشريعات البيئية، والاستراتيجيات الوطنية للمياه والطاقة وتغيّر المناخ، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، والاهتمام بالاقتصاد الأخضر وإدارة النفايات. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الخطط والنصوص القانونية فقط، بل في فعالية التنفيذ، وتكامل الأدوار، واستدامة الرقابة، وقياس الأثر الفعلي على الأرض.
فالقانون البيئي لا يحقق غايته إذا بقي حبيس النصوص، والحماية المناخية لا تتحقق بالشعارات، بل بالسياسات العامة القابلة للتنفيذ، والموازنات الواضحة، والرقابة الجادة، ومشاركة المجتمع، وربط الاعتبارات البيئية بالقرارات الاقتصادية والاستثمارية. ولهذا، فإن المسؤولية الوطنية في الأردن تقتضي الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، ومن الحملات المؤقتة إلى البرامج المستدامة، ومن الخطاب العام إلى الالتزام المؤسسي.
وتبرز هنا أهمية العدالة المناخية؛ فآثار تغيّر المناخ لا تصيب الجميع بالقدر ذاته. فالفئات الفقيرة، والمزارعون، وسكان المناطق الريفية، والمجتمعات الأقل خدمة، هم الأكثر تضررًا من ندرة المياه، وارتفاع كلف الطاقة، وتراجع الإنتاج الزراعي. لذلك، فإن أي سياسة مناخية عادلة في الأردن يجب أن تراعي البعد الاجتماعي، وأن تضمن عدم تحميل الفئات الهشة العبء الأكبر من التحول البيئي.
كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي تعزيز الثقافة البيئية في المجتمع. فترشيد استهلاك المياه والكهرباء، والحد من استخدام البلاستيك، والمحافظة على النظافة العامة، والفرز من المصدر، واحترام الأماكن العامة، ليست مجرد سلوكيات فردية بسيطة، بل ممارسات يومية تعكس معنى المواطنة البيئية. فالأردن لا يحتاج إلى وعي بيئي موسمي، بل إلى ثقافة مستمرة تبدأ من البيت، والمدرسة، والجامعة، والبلدية، ووسائل الإعلام.
ولا يمكن إغفال دور الجامعات ومراكز البحث العلمي في دعم العمل المناخي. فالمعرفة العلمية والقانونية يجب أن تتحول إلى سياسات قابلة للتطبيق، وإلى حلول عملية في مجالات المياه، والطاقة، والزراعة، والنفايات، والتخطيط الحضري. كما أن كليات القانون مطالبة اليوم بإدماج القانون الدولي البيئي، والعدالة المناخية، والتقاضي البيئي ضمن مسارات التعليم والبحث والتدريب؛ لأن حماية البيئة أصبحت جزءًا من حماية الحقوق وسيادة القانون.
وفي الإطار ذاته، يحتاج الأردن إلى تعزيز أدوات الإنفاذ والتقاضي البيئي. فوجود تشريعات بيئية متقدمة لا يكفي ما لم تقترن برقابة فعالة، ومساءلة إدارية وقضائية، وتمكين للمجتمع المدني من المشاركة والحصول على المعلومات. ومن المناسب التفكير في تطوير دوائر أو مسارات قضائية متخصصة في القضايا البيئية، بما يعزز سرعة الفصل في المنازعات، ويعمّق الخبرة القانونية والفنية في هذا المجال.
أما على المستوى الدولي، فإن الأردن مطالب بمواصلة تعزيز دبلوماسيته المناخية، والمطالبة بتمويل عادل للتكيف، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، خصوصًا في قطاعات المياه، والزراعة، والطاقة. فالعدالة المناخية تعني أن الدول الأقل مساهمة في الانبعاثات، والأكثر تضررًا من آثارها، يجب أن تحصل على دعم حقيقي، لا مجرد وعود عامة.
إن يوم البيئة العالمي يذكّرنا بأن حماية البيئة ليست مسؤولية وزارة بعينها، ولا واجب الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية شاملة. فالبلديات، والمدارس، والجامعات، والقطاع الخاص، والجمعيات البيئية، والإعلام، والأفراد، جميعهم شركاء في حماية البيئة وبناء القدرة على التكيف مع تغيّر المناخ.
وفي الأردن، حيث تمثل المياه عنوانًا للأمن والاستقرار، تصبح حماية البيئة جزءًا من حماية الدولة والمجتمع. فكل قطرة ماء تُهدر، وكل مساحة خضراء تُفقد، وكل نفاية تُرمى في غير مكانها، وكل قرار تنموي يتجاهل أثره البيئي، هو مساس بمستقبل الأجيال القادمة.
لذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن يحملها يوم البيئة العالمي في الأردن واضحة: العمل المناخي ليس شعارًا دوليًا نردده في المناسبات، بل مسؤولية وطنية تبدأ من التشريع، وتمر عبر الإدارة والرقابة والتعليم، وتصل إلى السلوك اليومي للمواطن. فالأردن، القادر على تحويل التحديات إلى فرص، يستطيع أن يجعل من العمل المناخي مدخلًا لتعزيز أمنه المائي، وتنمية اقتصاده الأخضر، وحماية مجتمعه، وترسيخ حضوره في مجال العدالة المناخية إقليميًا ودوليًا.
وفي النهاية، فإن الأرض لا تطلب منا التعاطف، بل الفعل. ويوم البيئة العالمي ليس دعوة للقلق فقط، بل دعوة للالتزام. ومن هنا، فإن الأردن والعمل المناخي يلتقيان اليوم في عنوان واحد: مسؤولية وطنية لحماية الحاضر وصون حق الأجيال القادمة في مستقبل آمن ومستدام.
المحامي الدكتور علي سليم الحموري
عضو هيئة التدريس بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة
رئيس جمعية استشراف المستقبل للحقوق البيئية والعدالة المناخية