د.أيوب أبودية
المتعة التي نستمدّها من الجمال في الطبيعة ليست ترفًا شعوريًا ولا نزوة عابرة، بل هي حاجة نفسية عميقة تمسّ جوهر إنسانيتنا. فعندما نقف أمام مشهد الفجر وهو يولد من رحم العتمة، أو عندما نتأمل الغروب وهو يُذيب وهج الشمس في الأفق، أو نصغي لصوت البحر وهو يكرّر أنفاسه الأزلية، أو حتى عندما نحدّق في شجرة وحيدة تقاوم صحراء قاسية، فإننا لا نستمتع بالمشهد فحسب، بل نعيد الاتصال بالحياة نفسها. كأن الجمال هنا ليس مجرد صورة، بل معنى ومتعة لا توصف.
علم النفس يفسّر هذه المتعة بوصفها استجابة فطرية للانسجام والتناغم. فالدماغ البشري يميل إلى الأشكال المتوازنة، والألوان الطبيعية، والإيقاعات الهادئة. الطبيعة تقدّم هذا كله دون تكلّف: الضوء، الحركة، الصمت، الاتساع، والجمال. لذلك يشعر الإنسان بالطمأنينة أمامها، ويخفّ توتره، وتتباطأ ضربات قلبه، ويستعيد توازنه الداخلي. إن الجمال الطبيعي يعمل كعلاج صامت للكبت النفسي، ويعيد ترتيب الفوضى النفسية دون كلمات.
لكن الأمر يتجاوز التفسير الفيزيولوجي إلى بُعد أعمق. فالجمال يمنح الوجود معنى. حين يرى الإنسان شيئًا جميلاً، يشعر أن الحياة ليست عبثًا كاملًا، وأن في العالم ما يستحق التأمل والتقدير. لهذا قال الشاعر إيليا أبو ماضي:
"والذي نفسه بغير جمال
لا يرى في الوجود شيئًا جميلا”
فالعين لا ترى فقط ما هو أمامها، بل ما بداخلها أيضًا. النفس المثقلة بالقبح، بالخيبة، أو بالعدمية والعبثية، تفقد قدرتها على إدراك الجمال، لا لأن الجمال غائب، بل لأن الحسّ الجمالي فيها قد تبلّد وانطوى. والعكس صحيح: فالنفس التي تحتفظ بقدرتها على الدهشة، ترى الجمال حتى في أبسط التفاصيل، في حجرٍ يتلون بالضوء، أو في غيمة عابرة، أو في ظلّ شجرة وحيدة.، أو في نبتة صغيرة تشق طريقها بين شقوق بلاط الرصيف، كما عبر عنها رائد الفضاء نيل أرمسترونغ بعد عودته إلى الأرض.
ومن منظور نفسي، الجمال يعيد للإنسان شعوره بالانتماء. فحين ينظر إلى البحر، لا يشعر فقط بعظمته، بل بصغر الإنسان داخل هذا الاتساع العظيم، وهذا الصغر ليس مهينًا، بل أحيانا يكون مريحًا. فهو يحرّره من وهم السيطرة ومن ثقل الأنا، ويذكّره بأنه جزء من كلّ أوسع وأعمق. هنا تتحوّل المتعة الجمالية إلى تجربة وجودية، تمنح الإنسان إحساسًا بالسلام وعظمة الكون.
كما أن الجمال يغذّي الأمل. الفجر ليس مجرد ضوء، بل وعدٌ ببداية جديدة. والغروب ليس نهاية، بل تحوّل من حال إلى أخرى. حتى الشجرة الوحيدة في الصحراء تصبح رمزًا للصمود والمعنى الذي ينطوي عليه. والنفس البشرية لا ريب تحتاج إلى هذه الرموز كي تستمر في حياتها الشاقة. فحين تختفي الجماليات في البيئة من حياة الإنسان، يبهت المعنى، ويتحوّل الوجود إلى رتابة ثقيلة.
لذلك، يمكن القول إن الجمال ليس كماليًا، بل ضرورة نفسية ووجودية. وهو ما يجعل الحياة محتملة بعجرها وبجرها، بل جديرة بأن تُعاش رغم ذلك. ومن يفقد إحساسه بالجمال الذي تنطوي عليه عناصرها، لا يفقد متعة النظر والفهم فحسب، بل يفقد جزءًا من قدرته على الفرح، وعلى الإحساس، وعلى الأمل.
يُعدّ الجمال مفهومًا إنسانيًا مركزيًا يتجاوز كونه خاصية حسّية أو شكلية، ليغدو مدخلًا عميقًا لفهم الحياة والوجود. فالقدرة على إدراك الجمال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله؛ إذ إن من يرى الجمال يرى الحياة في أبهى تجلياتها، بينما يعجز من يفتقد هذه القدرة عن تذوّق الوجود في معانيه الواسعة.
ورغم هذه القدرة لا يكتمل التمتع بالجمال في التجربة الإنسانية إلا ضمن إطارها الاجتماعي، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يميل إلى مشاركة انفعالاته ومعانيه مع الآخرين. ومن هنا، فإن مشاركة الجمال مع رفيق- سواء كان صديقًا أو شريكًا أو جماعة- تُضاعف تذوقه وأثره الجمالي وتمنحه بعدًا إنسانيًا أعمق، إذ يتحول الإحساس الفردي إلى تجربة مشتركة تعزز الروابط وتؤكد أن الجمال، مثل الحياة نفسها، يُعاش على نحوٍ أصدق حين يُتَشارَك ونتذوقه معا.
ختامًا، يتبيّن أن التمتع بالجمال ليس ترفًا ذهنيًا ولا إحساسًا عابرًا، بل تجربة إنسانية شاملة تمسّ النفس والمعنى والعلاقة بالحياة. فالجمال يعيد للإنسان اتزانه، ويغذّي أمله، ويمنحه شعورًا بالانتماء والجدوى، ويكشف له أن الوجود، رغم قسوته، لا يخلو من ما يستحق التأمل والامتنان. غير أن هذه التجربة تبلغ ذروتها حين تُعاش في سياقها الإنساني المشترك، لأن الإنسان كائن اجتماعي يجد اكتماله في المشاركة. وهكذا، يصبح الجمال جسرًا يصل الإنسان بذاته، وبالعالم، وبالآخرين، ويغدو تذوّقه دليلًا على حياةٍ ما زالت نابضة بالمعنى، وقادرة على أن تُعاش بعمق ووعي، رغم تعقيداتها. ومن هنا ضرورة المحافظة على جمال بلدك ونظافتها.