لا يهم لون القط...المهم أن يصطاد الفئران

نبض البلد -

البرفسور عبدالله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

وأنا أقرأ عن نهضة الصين خلال العقود الأخيرة، من دولة فقيرة ومنهكة إلى قوة عملاقة، استوقفتني عبارة دنغ شياو بينغ: "لا يهم لون القط، المهم أن يصطاد الفئران"، ردًا على منتقديه في اختيار قيادات لا تتفق أيديولوجيًا مع الحزب. وهنا يمكن للمرء أن يتساءل: كيف تختصر جملة تبدو أقرب إلى مثل شعبي فلسفة كاملة في صناعة القرار وإدارة المؤسسات؟ فدنغ لم يكن يتحدث عن القطط ولا الفئران اصلاً، بل عن فلسفة في القيادة والادراة: فقيمة الوسيلة لا تُقاس بلونها ولا بمصدرها ولا بتصنيفها الأيديولوجي، بل بقدرتها الفعلية على تحقيق الهدف.

ولعل أقرب صورة لهذا المعنى ما يُروى عن أبي بكر الصديق واصفًا خالد بن الوليد رداً على منتقدي خالد في التأني احياناً: "خالد يتأنّى كالقط، وينقضّ كالأسد". فالوصف لا يمدح شكل القائد، بل قدرته على قراءة اللحظة: متى يصبر ومتى يحسم. وهي الفكرة نفسها التي حملتها عبارة دنغ بعد قرون: القيمة ليست في المظهر أو الانتماء، بل في تحويل القرار إلى إنجاز.

وفي التراث الإسلامي قاعدة شديدة الوضوح في اختيار من يتولى المسؤولية: لا تكفي التقوى وحدها، كما لا تكفي الكفاءة وحدها؛ بل لا بد من اجتماع القدرة والأمانة. ولعل أبلغ مثال على ذلك موقف رسول الله ﷺ من أبي ذر الغفاري؛ ذلك الصحابي المعروف بالزهد والصدق والورع، الذي طلب من النبي ﷺ أن يوليه، فلم يجامل مكانته ولا صلاحه، بل قال له: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها". وهنا تكمن دلالة بالغة: أبو ذر كان من كبار الصحابة، معروفًا بالصدق والزهد والورع والتقوى، ومع ذلك لم يرَ النبي ﷺ أن هذه الصفات وحدها تؤهله لتولي الولاية. وهذا هو المعنى ذاته الذي قررته الآية الكريمة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾؛ أي أن الاختيار الرشيد يحتاج إلى قوة في الأداء وأمانة في المسؤولية. والقوة هنا لا تعني القوة الجسدية فقط، وإنما القدرة والكفاءة والمهارة على أداء المهمة، بينما الأمانة تعني النزاهة وحفظ الحقوق وتحمل المسؤولية. ومن هنا، فإن وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ليس مفهومًا إداريًا حديثًا فحسب، بل مبدأ أصيل في التاريخ: الأمانة بلا قدرة قد تعجز، والقدرة بلا أمانة قد تفسد، أما اجتماع القوة والأمانة فهو معيار الاختيار.

من هذه الزاوية، تصبح قصة الصين قصة تحوّل في التفكير: من تقديس الشعارات إلى اختبار النتائج، ومن الدفاع عن الخيارات السابقة إلى تعديلها حين تفشل، ومن اختيار الأشخاص بالأسماء والعلاقات والايدولوجيا إلى سؤال أكثر إنصافًا: ماذا أنجزوا فعلًا؟ وهي حكمة تستحق أن تُقرأ خارج سياقها الصيني، كسؤال في إدارة مؤسسات الدول: هل نُعنى باللون أكثر من عنايتنا بالقدرة على حل المشكلات؟ فالدول تنهض حين يصبح الإنجاز معيار الاختيار، والنتيجة معيار التقييم.

لم يبدأ دنغ بنوع القط، بل بالمشكلات التي أراد حلّها (الفئران التي اراد اصطيادها): فقر واسع، وزراعة ضعيفة الإنتاجية، واقتصاد مركزي مشوَّه، وانغلاق عن العالم. كان نحو 70% من قوة العمل في الزراعة عام 1978، ونحو 250 مليون شخص تحت خط الفقر الريفي (وفق تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية). لم يكن سؤاله أي نظام اقتصادي أكثر نقاءً، ولا: أي مدرسة فكرية أكثر أناقة؟ بل: كيف نزيد الإنتاج؟ وكيف نخرج ملايين الأسر من الفقر؟ وكيف نفتح الاقتصاد أمام الأسواق؟

وهنا تكمن روعة الفكرة: لا تبدأ الإصلاح باختيار الأشخاص؛ ابدأ بتحديد المشكلات الكبرى، ثم ابحث عمّن يستطيع حلّها. بعد أن حدّد دنغ مشاكله، بحث عن القيادات القادرة على تحويل المشكلة إلى نتيجة، فبدأ بالزراعة ثم توسّع إلى الصناعة والتجارة والانفتاح، بسياسة "ما ينجح يُعمّم وما يفشل يُترك"، فارتفعت إنتاجية الزراعة وأصبحت أحد أهم محركات خفض الفقر في العقود الأولى.

وهنا تحضر مقولة نعوم تشومسكي "لا يوجد شيء اسمه بلد فقير، يوجد نظام إدارة فاشل في إدارة الموارد". فالفقر، كما أثبتت تجربة الصين، لم يكن قدرًا جغرافيًا بل نتاج نظام إداري، وحين تغيّر النظام الاداري تغيّرت النتيجة.

وتكررت القاعدة في تجارب أخرى: كوريا الجنوبية جعلت التعليم أداة تنمية مباشرة بعد الحرب؛ ونيوزيلندا بعد أزمة 1984، أعادت تصميم إدارتها العامة، وانتقلت من مراقبة المدخلات إلى المحاسبة على المخرجات، ولم تسأل كم موظفًا لديها، بل ماذا ينتجون؛ وإستونيا، واجهت بيروقراطية ثقيلة موروثة، فأعادت بناء علاقة المواطن بالدولة رقميًا وتسجل اليوم 0.83 في مؤشر الحكومة الرقمية 2025 (بحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، مقابل متوسط الدول الأعضاء البالغ 0.70)؛ وسنغافورة بنت جهازها الحكومي المنضبط رغم غياب الموارد؛ وفي عالم الأعمال ربط جاك ويلش في جنرال إلكتريك الإدارة بالأداء، وأعاد توزيع الموارد نحو الأكثر إنتاجية؛ وجسّد أندي غروف في شركة إنتل الاستشعار المبكر للخطر، مؤمنًا بأن القائد يجب أن يرى التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.

في كل هذه التجارب لم يكن السؤال من صاحب أفضل سيرة ذاتية، ولا من لدية اقوى علاقة، بل: ما المشكلة التي سنصطادها أولًا، ومن يملك القدرة على اصطيادها؟ فالقاعدة واحدة: حدد المشكلة، ابحث عمّن يحلّها، امنح الصلاحية، وقِس النتيجة.

ومن هنا تبدأ الحكاية الأردنية بكل ما فيها من فرص وتحديات، ويصبح السؤال ملحًّا: ما المشكلات التي نريد حلّها؟ الماء لا يحتمل التأجيل: كم يصل فعلًا للمواطن وبأي كلفة؟ والطاقة تحتاج أرقامًا واضحة عن الإنتاج المحلي للنفط والغاز وغيرها، والاستيراد والتكلفة الفعلية، وما يتحول من موارد وطنية إلى قيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات، والتعليم الأخطر، لأن خسارته تظهر في إنتاجية جيل كامل، فيجب أن يُقاس بما يتعلمه الطالب فعلًا لا بعدد الخطط، والقرارات المتلاحقة. والبطالة تحتاج وظائف منتجة لا خفض نسبة إحصائية. والبيروقراطية كلفة صامتة وفرصة ضائعة. ثم يأتي النمو والإنتاجية والاستثمار كمحددات لقدرة الدولة على تمويل مستقبلها.

فنحن لا نحتاج فقط أن نسأل: من هو الشخص الذي اخترناه؟ بل: هل أعطيناه الفرصة الكافية ليصطاد؟ وهل أمضى سنوات في موقعه دون صيد ثمين؟ وهل تخبط في القرارات ذات اليمين والشمال؟ المعيار ليس الاسم ولا العمر ولا اللون السياسي، ولا العلاقات، بل القدرة على نتيجة قابلة للقياس ضمن صلاحيات ووقت واضحين. وهذه ليست مسألة أشخاص بقدر ما هي نظام إداري متكامل: فالسيرة الذاتية، مهما لمعت بالشهادات ومهما كان مصدرها، والمناصب، لا تخبرنا بالضرورة ماذا أنجز صاحبها حين وُضع القرار بين يديه. والسؤال الحقيقي: هل تحسنت الخدمة؟ وهل حُلّت مشكلة معلّقة؟ وهل تُركت المؤسسة أقوى أم عادت إلى ما كانت عليه بمجرد مغادرة رئيسها؟ وإذا حصل هذا التراجع، من جاء بعده، هل استمر في المسار ذاته أم غيّره جذريًا؟ وهي أسئلة ضرورية لأي مراجعة موضوعية جادة، لا لتصفية حسابات مع أحد، بل للتأكد من قدرته على الاصطياد.

فالدولة التي تريد أن تتقدم لا تحتاج إلى مزيد من الاشخاص التي تجيد الطاعة، وإنما إلى اشخاص تعرف أين تكمن المشاكل، وتملك الجرأة والأدوات والقدرة على اصطيادها.

ويجب هنا الدقة والإنصاف: ليس كل إخفاق تقصيرًا، فقد تتأثر النتائج بالموارد والصلاحيات ومقاومة مؤسسية للتغيير. لكن الخطر يبدأ حين تغيب معايير الاختيار الواضحة، فيصبح الانطباع أقوى من سجل الأداء الموثّق، وتصبح المعرفة الشخصية أهم من معرفة ما يستطيع أن ينجزه فعليًا. ومن المهم التمييز بين إخفاق ناتج عن قرار جريء اتُخذ بأفضل معلومة متاحة واوقف لاسباب مختلفة، وبين تكرار النتائج الضعيفة نتيجة ضعف إداري فعلي وسياسة الوعود والمجاملة وغياب المتابعة. كما أن الإصلاح نفسه غير مريح احياناً، لا لأنه خاطئ في جوهره، بل لأنه يغيّر عادة راسخة، فتلجاء بعض الادارات الى اسلوب المراهنة على انقضاء الوقت بهدوء، لا المواجهة المزعجة.

وهذه الفكرة تكتسب أهمية مضاعفة للأردن اليوم. في التعليم، لا يكفي تغيير الخطط والمسميات المتلاحقة، إذا لم تتحسن جودة التعليم، ولا تؤسس جيل يستطيع المنافسة بجدارة في اقتصاد المعرفة وعصر الذكاء الاصطناعي المتسارع؛ وقد أطلق الأردن الخطة الاستراتيجية للتعليم 2026-2030، لكن الصيد الحقيقي يبدأ حين نقول فعلًا: ارتفع مستوى التعلّم وتحسنت جودة إعداد المعلمين، وارتبط التعليم بسوق العمل. وفي المياه، يجب أن يُعامل كل متر مكعب كأصل استراتيجي، وكل دينار يُنفق يجب ان يتحول فعليًا إلى خدمة أفضل. وفي الاقتصاد: هل ارتفعت الإنتاجية والصادرات وزادت الاستثمارات فعلًا، وهل يشعر المواطن بالأثر في حياته اليومية؟ وفي الطاقة والثروة المعدنية، لا يُقاس النجاح بعدد الاتفاقيات أو الإعلانات الاحتفالية، بل بالإنتاج الفعلي والإيرادات؛ فمثلًا يشير احد تقارير شركة البترول لعام 2025، إلى ان عدد الابار المحفورة والجاري العمل عليها وصل الى 74 بئرًا في الريشة، وخطة لحفر 80 بئرًا جديدة ووعود برفع الإنتاج إلى 418 مليون قدم مكعب يوميًا عام 2029 (بحسب تصريحات وزير الطاقة)، وكلنا سنكون سعداء ان تحقق ذلك، الا ان هذا يستدعي معرفة الإنتاج الفعلي اليومي، والإيرادات الفعلية، وعدد الآبار المنتجة فعلًا، وكم ينتج كل واحدأً منها؟ وفي الإدارة العامة، السؤال: كم إجراءً ألغينا، وكم خدمة أصبحت رقمية، وكم يومًا اختصرنا من رحلة المواطن؟ فالهدف ليس أن نعلن أننا نحارب البيروقراطية، وإنما أن يشعر المواطن فعلًا بأنها تراجعت. أما الترهل الإداري فيعيش سنوات دون أن يراه أحد، والسؤال يجب أن ينتقل من "من يشغل الموقع؟" إلى "هل ما زال الموقع نفسه ضروريًا؟".

وهنا تكتسب توجيهات الملك عبدالله الثاني بشأن اختيار الكفاءات الحقيقية معناها الأعمق: العثور على من يحوّل المسؤولية إلى نتائج ملموسة لا من يحمل أفضل سيرة ذاتية. ودعا الملك، بتاريخ 1/9/2026، إلى إدامة التواصل مع المواطنين واطلاعهم على خطط التنفيذ والإنجازات والتحديات، وربط مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي بتحسينات ملموسة في حياة الناس؛ فالمعيار أن يُقاس الأثر في تعليم الأبناء وفاتورة الماء والكهرباء وفرصة العمل. فهذه التوجيهات الملكية في جوهرها رؤية متكاملة لبناء دولة قادرة على مواجهة تحديات مرحلة بالغة التعقيد. وهنا تصبح الحاجة لقيادات قادرة على التقاط هذه الإشارات الملكية، تتأنّى في وضع الخطط، ثم تحسم أمرها وتنقضّ على تنفيذها كالأسود (كتأني خالد بن الوليد وانقضاضه، كما وصفه ابو بكر).

والأردن اليوم أمام رؤية التحديث الاقتصادي وبرنامج تنفيذي ثانٍ يضم 392 مشروعًا و126 مؤشرًا رئيسيًا وأكثر من 300 مؤشر فرعي (وفق ما أعلنته وزارة التخطيط والتعاون الدولي)، وخارطة طريق لتحديث القطاع العام تربط الأداء بالنتائج والمساءلة. لكن التحدي ليس غياب الرؤية والخطط، بل الصرامة في التنفيذ.

واليوم، لا يحتاج الاردن الى مؤسسات جديدة، ولا لجانًا مستحدثة، بل قواعد بسيطة: تحديد المهمة والنتائج المطلوبة خلال سنة وثلاث أو خمس سنوات، والاكتفاء بثلاثة إلى خمسة مؤشرات لكل مسؤول، وعقد أداء يجيب "ماذا تعِد أن تفعل؟" تليه مراجعة مستقلة تسأل "ماذا تحقق فعلًا ولماذا؟"، وبطاقة أداء واحدة لكل قيادة توثّق الهدف والمتحقق والانحراف، لتصبح جزءًا من الذاكرة المؤسسية. وعند انتهاء الولاية يكون السؤال "ماذا أنجز؟" لا "إلى أين ننقله؟". فإذا كانت النتائج دون المتوسطة، يجب معرفة الأسباب الموضوعية بإنصاف، دون أن يتحول الموقع الجديد إلى فرصة لطي صفحة النتيجة السابقة. وتجنّب حصر المواقع القيادية في دائرة أسماء مألوفة ومجربة في اكثر من مرة، بناءً على توصيات أصحاب العلاقات، وبمعزل عن الكفاءة؛ فالتوصية أداة نبيلة، لكن يجب أن تبقى محكومة بسؤال "من الأفضل للمهمة؟" لا "من الأقرب في لحظة بعينها، والاكثر طاعة؟". فالفارق بين المعيارين جوهري: الأول معيار مهني يخدم المؤسسة، والثاني قد ينزلق إلى اعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة. والأردن يزخر بكفاءات حقيقية، والتحدي في قدرة المنظومة الوصول إليها، ووضعها في المكان الذي تستطيع أن تنتج فيه أفضل ما لديها. كذلك لا يكتمل الإصلاح دون منح المسؤول صلاحيات تتناسب مع حجم مسؤوليته، مقابل مساءلة موضوعية توازيها.

وحين يتحول تدوير بعض الأشخاص بين المواقع إلى عادة بلا نتائج، ودون مساءلة حقيقية، ويبدأ التخوف من ان ينطبق على المجتمع ما قاله عبدالوهاب المسيري: "عندما يدرك الناس أن الدولة تُدار لحساب نخبة وليس لحساب الأمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية، وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة". وهذا بالضبط ما يجب أن نتجنبه: أن يتحول غياب المعيار إلى قناعة عامة بأن الموقع حق مكتسب ومحسوم، لا مسؤولية.

وثمة مشكلة أخرى تعيش في ذاكرة الناس: الوعود الاستثمارية بالمليارات منذ نحو عقد، وقيل بانها ستغير وجه الاقتصاد وتوفر آلاف فرص العمل، والتي اختفى معظمها دون توضيح ما حدث لها، ومن كان مسؤولًا عن الاعلان وقتها ومتابعته؟ واليوم، نسمع عن فرص واعدة في النفط والغاز واليورانيوم والتعدين وغيرها، فالفرق بين الوعد والاكتشاف والإنتاج، والاستثمار، لا تصنعه المؤتمرات، بل الآبار المنتجة فعلياً، وكميات الانتاج، والإيرادات التي تحققت والوظائف التي ظهرت. والحل أن يكون لكل وعد رقم واسم واضح ومرحلة تنفيذ ومسؤول متابعة ومسألة حقيقية اذا لم يتحقق الوعد.

وهذه الأفكار كلها ليست نقدًا لفرد أو مؤسسة بعينها، بل دعوة إلى ثقافة إدارية تكون فيها النتيجة الموثقة أقوى من الانطباع، والمصلحة العامة معيارًا جامعًا. فالدولة تُدار بالمؤسسات القوية والكفاءة والقانون والنتائج؛ والموقع العام مسؤولية تقابلها صلاحيات وأهداف ومساءلة، لا مكافأة أو حق مكتسب.

وربما تكون المشكلة الأعمق أن يعتاد البعض وجود المشاكل أو يستفيد من وجودها، فيتحول القائد الساعي للاصلاح إلى مصدر إزعاج؛ وهنا لا يكفي إحداث التغيير، بل يجب مراجعة تصميم المؤسسة نفسها. فأن يطلب من القائد أن يصطاد، وفي الوقت ذاته نمنعه من الاقتراب من هذا أو ذاك، ثم نسأله لماذا لم تتحسن المؤسسة، فهذه ليست مشكلة المسؤول، بل مشكلة تصميم المؤسسة نفسها.

فالسؤال بعد اليوم ليس من يعرف المشكلة أو يستطيع الحديث عنها، بل من يستطيع أن يغيّر الرقم فعلًا: من يزيد كميات المياه، ويخفض الفاقد التعليمي، ويرفع مستوى التعلّم، ومن يحوّل استثمارًا متعثرًا إلى مشروع منتج؟ عندها يصبح الاختيار قائمًا على الكفاءة، والمساءلة عادلة، والتحديث قابلًا للقياس.

وفي النهاية، لا يهم اللون. المهم أن نعرف ما نريد اصطياده، ونختار من يقدر على ذلك، ونمنحه الأدوات، ونقيس النتيجة. عندها تتحول العبارة الصينية من استعارة فلسفية جميلة إلى عقد إداري جديد: أقل وعودًا وأكثر تنفيذًا، أقل تقارير وأكثر نتائج، وأقل احتفالًا بالبداية وأكثر مساءلة عن النهاية.