الاستاذ الدكتور حسين احمد الطراونة
تتجه الأنظار اليوم نحو المهندس أحمد الملكاوي مع توليه رئاسة لجنة أمانة عمان الكبرى خلفاً للإدارة السابقة، في مرحلة مفصلية لا تتطلب مجرد تدوير للمناصب أو تغيير شكلي في الوجوه، بل تستدعي مواجهة حاسمة مع واحدة من أثقل التركات المالية والخدمية في المملكة. وتزداد أهمية هذه المرحلة كون الملكاوي قادماً من داخل المؤسسة نفسها، حيث شغل سابقاً منصب مدير المدينة، وهو ما يسقط عنه تماماً حجة "مهلة الاستكشاف" أو الحاجة إلى وقت إضافي لدراسة كواليس الملفات، ويضعه فوراً أمام استحقاقات تتطلب البدء المباشر من حيث انتهت الإدارة السابقة دون مجاملات أو إبطاء.
يقف الملف المالي في مقدمة التحديات الأكثر تعقيداً على طاولة الإدارة الجديدة، إذ تشير الأرقام المعلنة إلى مديونية ضخمة تصل إلى نحو 950 مليون دينار، يُقابلها نحو 350 مليون دينار كديون مستحقة للأمانة على المواطنين والمؤسسات. وهذه الأرقام تجعل من وقف نزيف المديونية وتخفيضها أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل. ومع وجود خطة استراتيجية أُعلنت سابقاً للوصول إلى "مديونية صفرية" خلال عشر سنوات عبر إيقاف الاستدانة وتعظيم العوائد الاستثمارية، فإن السؤال الجوهري المطروح أمام الملكاوي لا يخص بنود الخطة النظرية، بل يكمن في مدى الانخفاض الفعلي الذي سيتحقق خلال العام الأول من عهده، وكيفية تنمية الإيرادات بعيداً عن تحميل الشارع أي أعباء مالية جديدة.
ولتحقيق هذه المعادلة الصعبة دون الضغط على المواطن، تبرز ضرورة تبني استراتيجيات هندسية وعمرانية جريئة، وفي مقدمتها فتح وتطوير المحاور الطرقية الشريانية والمفصلية التي تربط الشوارع الرئيسية المحيطة بالعاصمة من جهاتها الأربع (مثل طريق المطار، الشارع المائة، شارع الأردن، وطريق حزام عمان). إن إنشاء شبكة رابطة وعرضية حديثة بين هذه المحاور لا يقتصر دوره على تفتيت الاختناقات المرورية وحل عقدة التكدس في عمق المدينة والمركز الإداري فحسب، بل يمثل أداة استثمارية عالية الكفاءة لتحديث التخطيط الحضري وتوليد تدفقات مالية ذاتية مستدامة تعزز خزانة المؤسسة الخدمية.
تعتمد آلية تحويل الطرق الهيكلية الجانبية والمفصلية إلى موارد مالية على تطبيق مفهوم "إعادة تحصيل القيمة"، حيث يترتب على فتح الشوارع الرئيسية ارتفـاع مباشر في قيمة الأراضي المجاورة والداخلية غير المخدومة سابقاً. ويمكن للأمانة عبر قانون التنظيم استيفاء "عوائد التحسين" المشروعة، إلى جانب طرح مساحات وأراضٍ محذية لتلك الشوارع للاستثمار التجاري والخدمي (كمحطات التزود بالوقود، والمناطق اللوجستية، والمجمعات التجارية) عبر عقود شراكة طويلة الأجل مع القطاع الخاص (BOT)أو حقوق الانتفاع، فضلاً عن استثمار حرم هذه الطرق لتمديد شبكات البنية التحتية المستقبليّة كالألياف الضوئية وخطوط الطاقة. هذا التوجه يتطلب اعتماد التخطيط الوقائي الذي يعيد تنظيم المناطق قبل تطويرها لاستقطاع مساحات الطرق دون تكبد كلف استملاك باهظة، مما يجعل المشروع يمول نفسه بنفسه ويحقق عوائد تغطي تكاليف الإنشاء.
وعلى صعيد الخدمات اليومية، يتركز تطلع الشارع حول جودة البنية التحتية والاستجابة الميدانية، بعيداً عن الشعارات النظرية والمشاريع المتفرقة التي لا يشعر المواطن بتكاملها. فالمواطن يبحث عن أرصفة صالحة، ونظافة مستمرة، وإنارة تعمل بكفاءة، وطرق خالية من الحفريات والتصدعات، فضلاً عن شبكات تصريف مياه أمطار فعالة تمنع الأزمات الموسمية، ونظام متطور للتعامل السريع مع الشكاوى. يرافق ذلك ملف النقل العام الذي يمثل اختباراً حقيقياً للإدارة الجديدة، حيث ما تزال عمان بحاجة إلى منظومة نقل كفؤة ومترابطة تعتمد المواعيد الدقيقة وتوفر بديلاً عملياً عن السيارة الخاصة، بما يسهم في تخفيف حدة الازدحامات المرورية في الشرايين الرئيسية للعاصمة.
وفي إطار ضبط الإنفاق وحوكمة الأصول، تبرز الحاجة الماسة إلى إجراء مراجعة شاملة لملف استثمارات الأمانة وأملاكها، عبر كشف واضح يُحدد العوائد الحقيقية للمشاريع ويضع كلاً منها أمام معيار مباشر يقيس مدى إضافته قيمة مالية وحضرية للمدينة بدلاً من استنزاف مواردها. كما يتطلب ذلك ضبط الفاتورة التشغيلية والإدارة الداخلية من خلال وقف مظاهر الهدر، وترشيد المصاريف الإدارية، وربط التعيينات والتنقلات والترقيات بالحاجة الفعلية والكفاءة الميدانية لتعزيز مبدأ المساءلة والشفافية المالية.
إن استعادة ثقة الشارع تبقى الغاية الأهم والمحرك الأساسي لنجاح أي إدارة، حيث يرغب المواطن في معرفة أوجه إنفاق أمواله وأسباب تأخر بعض المشروعات، وضمان عدالة توزيع الخدمات بين مختلف المناطق. وفي النهاية، لن يُقاس النجاح في أمانة عمان بعدد المؤتمرات الصحفية أو المشاريع المعلنة، بل بعدد المشكلات التي يُعاد إغلاقها بحلول جذرية، ومقدار التحسن الملموس الذي يراه المواطن في حياته اليومية، ليبقى السؤال الحقيقي مرتبطاً بقدرة الإدارة الجديدة على وقف نزيف المديونية وجعل عمان مدينة تدار بالرقابة والأرقام والإنجاز الميداني.