الرقمنة في خدمة الإنسانية: التبرع بالأعضاء عبر تطبيق «سند» نموذجًا

نبض البلد - المحامي الدكتور علي سليم الحموري

لم تعد الرقمنة مجرد وسيلة لتسريع المعاملات أو اختصار الوقت والجهد، بل أصبحت أداة يمكن أن تمسّ حياة الإنسان بصورة مباشرة، وأن تتحول من مجرد تقنية إلى وسيلة للخير والتكافل وإنقاذ الأرواح، ومن النماذج التي تعبّر بوضوح عن هذا التحول إتاحة خدمة التسجيل للتبرع بالأعضاء عبر تطبيق (سند).

كان أول عمل قمت به اليوم هو التسجيل للتبرع بالأعضاء من خلال تطبيق «سند»، وقد لفت انتباهي أن أولى خطوات الخدمة تتيح للمستخدم الاطلاع على الفتوى الشرعية الصادرة عن دائرة الإفتاء بشأن التبرع بالأعضاء، وهو أمر مهم في تعزيز الوعي والطمأنينة قبل اتخاذ القرار، ويؤكد أن هذه الخطوة لا تُقدَّم باعتبارها إجراءً تقنيًا مجردًا، بل ضمن إطار يراعي البعد الشرعي إلى جانب الجوانب الطبية والقانونية والإنسانية، ثم ينتقل المستخدم إلى استكمال إجراءات التسجيل إلكترونيًا بسهولة ويسر، لتتحول بضع دقائق عبر الهاتف إلى موقف إنساني قد يكون له أثر كبير في حياة الآخرين، فالإنسان يستطيع أن يترك أثرًا ممتدًا حتى بعد وفاته، وأن يمنح مريضًا فرصة جديدة للحياة، وأسرةً أخرى أملًا جديدًا بعد معاناة طويلة.

وتكمن أهمية هذه الخدمة في أنها تُظهر كيف يمكن للتحول الرقمي أن ينتقل من مستوى الخدمات الإدارية التقليدية إلى مستوى أكثر إنسانية، فنجاح الحكومة الإلكترونية لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المعاملات التي أصبحت إلكترونية أو بمدى الاستغناء عن الورق، بل أيضًا بقدرتها على تسهيل الوصول إلى الخدمات التي تمس حياة الإنسان وكرامته بصورة مباشرة.

كما أن إتاحة الفتوى الشرعية في بداية الخدمة تعزز فكرة القرار الواعي والمستنير، وتمنح المستخدم فرصة للاطلاع والمعرفة قبل التسجيل، وهو أمر مهم في موضوع يرتبط باعتبارات دينية وأخلاقية واجتماعية حساسة.

وفي المقابل، يفرض هذا التطور الرقمي مسؤوليات قانونية وأخلاقية مهمة، خصوصًا فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية والصحية، وضمان سرية معلومات المتبرعين، والتحقق من صدور القرار عن إرادة حرة ومستنيرة، ووضع ضوابط واضحة لاستخدام البيانات وعدم توظيفها خارج الغرض المخصص لها.

ومن هنا، يمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها نموذجًا لـ ( الرقمنة ذات البعد الإنساني)، أي أن تُصمم الخدمات الرقمية ليس فقط لتكون أسرع وأكثر سهولة، وإنما لتكون أكثر قربًا من احتياجات الإنسان، وأكثر قدرة على تعزيز التضامن الاجتماعي وحماية الحياة والكرامة الإنسانية.

إن التحول الرقمي الحقيقي هو الذي يجعل التكنولوجيا جسرًا بين الإنسان والإنسان، لا مجرد جسر بين المواطن والمؤسسة، وعندما تصبح ضغطة زر وسيلة لاتخاذ قرار قد يسهم يومًا ما في إنقاذ حياة، فإننا نكون أمام أحد أرقى استخدامات التكنولوجيا.

التبرع بالأعضاء رسالة إنسانية، والرقمنة جعلت الوصول إلى هذه الرسالة أسهل، وربما يكون أجمل أثر للتكنولوجيا هو ما يمكن أن تصنعه من أمل، وما قد تمنحه لإنسان آخر من فرصة جديدة للحياة.