نبض البلد -
سليم النجار
رواية «في قلبي آية» للكاتبة آلاء بركات قائمة على علاقات متضاربة في اللغة، لتخترق من خلال هذه المفارقة خيطًا رفيعًا، فتشكل مرآةً للسير الذاتية للشخصيات التي تتناولها في الرواية. خصوصًا أن اللغة الموظفة في السرد عند الكاتبة آلاء تتأتى في سياقها الاجتماعي، كما أن الصور المخاطِبة للشخصيات تعتمد على اللغة الاجتماعية للمجتمع القائم في الرواية، وما الفضاء السردي إلا شكلًا من أشكال السلطة الاجتماعية المتداولة داخل المجتمع المعاصر. ومن خلال التواتر للسلوك الاجتماعي للشخصيات الروائية، فهي ما هي إلا صور وثيقة الارتباط باللغة. وفي هذا السياق يمكن القول إن اللغة الروائية المستخدمة في الرواية تخضع لمفهوم أيديولوجي، ولكن مفهوم الأيديولوجيا، على الرغم من أهميته للغة، نادرًا ما كان يظهر في المناقشات حول اللغة والسلطة الاجتماعية، فكل ما تسرده الروائية بركات سيرٌ ذاتية مسلَّم بها.
صحيح أننا نعيش في حقبة لغوية، على الرغم من أن بعض النقاد يرون أن الصورة البصرية هي التي حلت محل اللغة، التي أصبحت، برأي هؤلاء، تعيش على هامش الصورة البصرية، غير أن الواقع المعاش يؤكد أن اللغة تحمل في ثناياها طاقات كامنة، وأيديولوجيا حاملة لأفكار النص. وبما أن النص قائم على أشكال مختلفة للصور اللغوية، التي تنحاز للقوى المادية المحسوسة، وتخاطب العقل والقلب معًا، على عكس الصور التي تخاطب الفرجة، وهذه الفرجة، بطبيعة تكوينها البنيوي، آنية ولحظية، وفي كثير من الحالات تحمل دلالات وقتية.
فمن المفارقات أن اللغة الروائية المكتوبة تُقرأ منطوقة، وتحمل في تخيلاتها نماذج بشرية يحاول القارئ جاهدًا تطبيقها على أرض الواقع: («أبي يدرس تاريخًا. يعود أحيانًا إلى البيت حاملًا صحيفةً مطوية، يجلس قرب النافذة ويقرأ لي ما كتبه، يبتسم بعدها… يترقب مني شيئًا» ص٩).
هذا السرد الذي كتبته الروائية بركات يرتبط بالعلاقات السطحية شكلًا، لكنه في حقيقة الأمر، وفي الرؤيا، يمثل طبقة اجتماعية محددة، هي إشارة إلى طبيعة السرد الذي يتناول هذه الطبقة، التي تملك حساسية أصحاب القلم: («الرسومات على الجدران لم تُمحَ… الشموس، الطيور الزرقاء، والأسماء المكتوبة بالطبشور بقيت تحت طبقة رمادية خشبية» ص١٥). قد يساعد هذا السرد على الإجابة عن طلب الوالد الذي طلب الرأي، فجاء بعد حين بلغة مختلفة على صعيد الشكل، لكنه، على صعيد المضمون، إضفاءٌ للشرعية التي تحملها البنت للوالد، بعيدًا عن أي تأثيرات نقدية، بمعنى أنها شكلت إجابة البنت حالةً من التوازن الراهن للحظة التي تواجدت بها مع والدها. هذه التداولية بين المكان والموقف ترسم خطوطًا عريضة للنظام اللغوي المتخيل للشخصية: («الصباح لم يأتِ وحده. أحيانًا يسبقه انفجار… مداهمة ليلية… أو جلدٌ في الساحة» ص١٩).
إن التداولية هنا تفرض هيمنة بعينها، وتصورًا محددًا للمنطوق المكتوب، ولصورة الخطاب، ولا أقول للغة المستخدمة؛ لأن الخطاب في السرد الآتي تغلب على اللغة، لأن طبيعة الخطاب تأخذ معنى الشعار والاستفزاز للمشاعر، على عكس اللغة التي تفتح آفاقًا متنوعة ومختلفة: («في الثامنة عشرة؛ صار الجسد وحده تُهمة» ص٢٧).
هذه النماذج التمثيلية لغة أولية تحمل في ثناياها تشكيلات خطابية لبناء نموذج لغوي يشكل نمطًا سرديًا على الشكل الآتي: («مددت القلم، فتجمّد فوق الصفحة، أفلتُّه، وبقي البياض» ص٥٥).
سعت الكاتبة آلاء، في روايتها «في قلبي آية»، إلى إقامة علاقة غير متكافئة بين الشخصيات الروائية والسرد، وإن جعلت المتلقي في حالة قلق تقترب من الدهشة، خاصة أنها استطاعت إجراء مقابلة بين السرد والدهشة: («الورق ينكمش على نفسه بصوتٍ خافت، ارتفع الرماد دفعة واحدة… فتأملت عيناي بحرقة حادة» ص٧٣).
هذا السرد قادنا إلى تفسير قائم على إنتاج النص، وجعله جزءًا من العلاقة القائمة بين البنت ووالدها، على اعتبار أن هذه العلاقة محل حيرة، وهنا ليس مهمًا ذكر اسم شخصية الوالد أو البنت، فهذه العلاقات والأشخاص موجودون في واقعنا: («دخل أبي متأخرًا، وقف في منتصف الغرفة… لم يجلس… قال: ما راح أقدر… أظل واقف بينك وبينهم» ص٧٥).
إن اللغة، في تنوعاتها المختلفة، تفتح آفاقًا واسعة لا تخضع لرؤية الفرد، وبركات استطاعت تصوير هذه اللغة على الشكل الآتي: («بعد الرؤيا؛ صار جسدي يتأخر عني» ص٨٥). إن الفكرة التي طرحتها في السرد السابق ما هي إلا اختلاف في هوية الإنسان، فالهوية عند بركات هوية غير مرضية، لكنها اختيارية: («بعد الصندوق… لم يعد أحد في البيت يراني كما كنت» ص٩٥).
إن الرابط بين الأنا واللغة الروائية في رواية بركات هو رابط أخذ طابعًا فرديًا يفتح على المجموع، فكانت الإشارة هي القلب الجامع لكل الروابط .
تمثل الشخصية عند بركات سرًّا من أسرار السرد، حيث تمتد جذورها إلى الحياة الواقعية، أي إلى تجربة الكاتبة الإنسانية، ويمكن إدراكها بالفكر والتخييل. (في آخر الزقاق كانت امرأةٌ تنادي طفلها، ومن بيتٍ قريب خرج صوتُ قرآن. طويتُ الورقتين، ومشيتُ. ص121).
إن توليد الأحداث للشخصيات يتمثل في إدماج كل العناصر المرتبطة بطبيعة الأحداث في رواية «في قلبي آية»، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع – عمّان، 2026، وفلسفة الأحداث والقضايا المرتبطة بها. (بدأتُ أمشي كثيرًا. لم أعد أختبئ. ص116).
رواية «في قلبي آية» للكاتبة آلاء فجّرت سردًا للقلب وسط زحام العالم، الذي يُعدّ فيه القلب ساردًا مسموحًا له بأن يكون شفافًا بين الكلمة المنطوقة والكلمة المتخيَّلة، فكانت الآية صورةً من صور الرواية.