نبض البلد - شقق يتقاسمها شباب وفتيات هرباً من الإيجارات.. والمجتمع بين الرفض والتجاهل
الحديد: لا نص بالتشريع يجرم المساكنة كجريمة وخزاعي: تتم بالسر لتعارضها مع القيم
الأنباط - خاص
في الطابق الثالث من عمارة عادية في احد مناطق عمان، يعيش أربعة شباب وفتيات في شقة واحدة، يتقاسمون فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، ويتناوبون على شراء احتياجات المنزل. مالك العمارة قد يعرف، والجيران يتذمرون بصمت، لكن لا أحد يحرك ساكناً.
هذا المشهد الذي كان حتى قبل سنوات قليلة يُعد من المحرمات الاجتماعية، أصبح اليوم "حلاً اقتصادياً" لجيل وجد نفسه أمام خيارين: البقاء في بيت الأهل أو الغرق في إيجار يتجاوز نصف الراتب حيث باتت ملامح "السكن المشترك" أو "المساكنة" التي بدأت تتسلل إلى بعض أحياء العاصمة، في تقاطع بين أزمة اقتصادية خانقة ومنظومة قيم اجتماعية محافظة وسط صمت مجتمعي وغياب تشريعي واضح.
لا تجريم للمساكنة.. لكن ثمة "رمادية"
من الناحية القانونية، تؤكد المحامية الدكتورة نور مازن الحديد، المتخصصة في علم الجريمة، أن "التشريع الأردني لا يجرّم المساكنة بوصفها جريمة مستقلة، ولا يوجد نص قانوني يُعرّفها"، وتوضح أن "مبدأ الشرعية الجزائية يمنع التوسع في التجريم أو القياس على أفعال لم يرد بشأنها نص".
لكنها تحذر من أن "هذا لا يعني أن المساكنة تنشئ حقاً أو تمنح حصانة. فمتى اقترنت العلاقة بأفعال تشكل جرائم معاقباً عليها، كجريمة الزنا أو إدارة دار للدعارة أو الابتزاز، فإن المسؤولية الجزائية تقوم على تلك الأفعال، لا على المساكنة ذاتها".
أما فيما يتعلق بمالك العقار، فتوضح الحديد أن "المالك لا يسأل جزائياً بمجرد علمه بأن رجلاً وامرأة غير متزوجين يقيمان في العقار، لكن إذا ثبت أنه تعمد تسهيل جريمة أو وفّر العقار لارتكاب أفعال مجرمة، فإن مسؤوليته تقوم وفق قواعد الاشتراك الجرمي".
وتشير إلى أن "المحاكم لا تنظر إلى المساكنة كوصف جرمي، بل إلى الأفعال المرتكبة في إطارها"، لافتة إلى أن "ما نراه في المحاكم ليس دعاوى بعنوان المساكنة، وإنما ملفات ابتزاز أو زنا أو إيذاء أو إدارة دار للدعارة".
الغلاء يفرض واقعاً جديداً
لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن الأرقام التي يسجلها الاقتصاد، فوفقاً لمؤشرات دائرة الإحصاءات العامة، شهدت العاصمة عمان ارتفاعاً في أسعار الإيجارات بنسب تراوح بين 10 و15% في المناطق الحيوية خلال العامين الأخيرين، هذا الواقع دفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل، كان أبرزها "السكن المشترك" بين الجنسين، ليس كخيار ثقافي أو تمردي، بل كضرورة اقتصادية تتيح توزيع أعباء الإيجار وفواتير الخدمات على أكثر من شخص.
يقول شاب جامعي يسكن مع فتيات في شقة واحدة: "فكرة السكن المشترك كانت في البداية مستهجنة، لكنها اليوم تنتشر بدافع اقتصادي بحت، الأمر ليس حرية بقدر ما هو حاجة".
بين الرفض والصمت المتواطئ
رغم الغياب القانوني للتجريم، يظل الموقف الاجتماعي من "المساكنة" قاسياً، ويبدو حاسما وهو ما يؤكد عليه أستاذ علم الاجتماع د. حسين خزاعي: "الظاهرة مرفوضة دينيا ومجتمعيا وتتعارض مع العادات والتقاليد والقيم السائدة"، فيما يربط أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د. سري ناصر في تصريح صحفي الظاهرة بـ "أزمة البطالة البنيوية وأزمة كلف الزواج والسكن"، ويصفها بـ "المساكنة الهجينة" لأنها "سرية وتفتقر للإشهار القانوني والاجتماعي، وتتم في مناطق رمادية بعيداً عن أعين الرقابة".
فيما يتعلق بآليات انتشار الظاهرة، يكشف مالك أحد المكاتب العقارية (فضل عدم ذكر اسمه) أن "المكاتب ترفض تأجير الشقق في حال التأكد من عدم وجود دفتر زواج، لأنها تعد مرفوضة دينياً ومجتمعياً"، ويضيف أن "هذه الحالات لا تأتي عادة إلى المكاتب العقارية، بل تتجه إلى حراس العمارات للبحث عن شقق، لأن غالبية المكاتب ترفض توفيرها".
لكن المفارقة أن هذا الرفض النظري يقابله صمت عملي، فصاحب أحد العمارات يقول: "أنا أؤجّر الشقة، وما يجري داخلها ليس شأني، المهم أن المستأجرين يلتزمون بدفع الإيجار"، فيما يحجم الجيران عن التدخل، رغم وصفهم لما يحدث بـ"العيب".
لكن المحامية الحديد تنبه إلى أن "الشقق المفروشة لا تعمل بحرية مطلقة، بل تخضع لقانون السياحة والأنظمة النافذة، والتي تفرض التزامات على المنشأة بشأن استقبال النزلاء وتسجيل بياناتهم"، وتستشهد بحالة "أحد أصحاب الشقق المفروشة سبق أن وقعت إحدى حالات التأجير بطريقة مخالفة، ما أدى إلى قضية ذات طابع أخلاقي، وانتهت باتخاذ إجراءات قانونية بحقه، شملت توقيفه لدى الحاكم الإداري".
ويصنف متخصصون هذا الصمت بأنه "نفاق اجتماعي"، أو "تكيف جماعي"، حيث يدرك المجتمع أنه لا يملك أدوات التغيير، وأن النقاش العلني قد يُصنف في خانة "الدفاع عن الانحلال" أو "التشدد".
المرأة.. الضحية الأبرز
تواجه المرأة في هذه الظاهرة ضغطاً مضاعفاً، فوصمة "الفتاة التي تسكن وحدها" لا تزال حاضرة بقوة، مما يجعل الاستقلال السكني للمرأة أكثر مواجهة للعواقب الاجتماعية والأسرية، وربما القانونية.
تقول إحدى الفتيات اللواتي فضلن عدم الكشف عن هويتهن: "الأمر بالنسبة إليّ ولكثيرات غيري ليس بالضرورة حرية أكثر، بل أمن أكثر داخل شقة جماعية بدل العيش لوحدي، لكن الخوف من كشف الأمر للعائلة يبقى مسيطراً".
وحذرت المحامية الحديد من أن "عند انتهاء العلاقة، لا توجد حقوق زوجية ولا نفقة، مما يجعل النزاعات تنتقل إلى القضاء تحت أوصاف جرمية أو مدنية مختلفة، وغالباً ما تكون الفتيات الطرف الأكثر خسارة".
المساكنة والشريعة
من الناحية الشرعية، تعد المساكنة بين الرجل والمرأة دون عقد زواج شرعي أمرًا محرمًا في الإسلام، لأنها تخالف أحكام الشريعة التي جعلت الزواج الإطار المشروع للعلاقة بين الرجل والمرأة، كما أنها تفضي إلى الخلوة المحرمة والعلاقة خارج نطاق الزواج.
ويستند هذا الحكم إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وقول النبي ﷺ: «لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرم» (رواه البخاري ومسلم).
واقع يتمدد في الظل
وبالرغم من انه لا توجد إحصاءات رسمية ترصد حجم الظاهرة، لكن المؤكد أنها موجودة وتتمدد، خاصة في المناطق القريبة من الجامعات والأماكن ذات الكثافة العالية من الأجانب والطلاب، ومع استمرار أزمة الإسكان وتأخر سن الزواج، تبدو هذه الشقق "ستستمر في التوسع"، بانتظار أحد أمرين: تشريعات تنظم هذا النوع من السكن العصري، أو قبول اجتماعي يعترف بأن "الحاجة قد تسبق العرف أحياناً".
يبقى السؤال: هل هذا الصمت نوع من التسامح الضمني مع واقع مرفوض، أم مجرد ضرورة اقتصادية تكسر القيم وتطيح بها؟