نبض البلد - نور الكوري
لكل جيل تحدياته التي تفرضها ظروفه لكن ما يعيشه جيل اليوم يختلف كثيرًا عما واجهته الأجيال السابقة. فالشباب اليوم يعيشون في عالم سريع التغير تفرض فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واقعًا جديدًا يتطلب تطوير المهارات بشكل مستمر. ويواجهون في الوقت ذاته ارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف المعيشة وصعوبة تحقيق الاستقرار المالي وتأخر تكوين الأسرة وضغوطًا نفسية متزايدة فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت المقارنة مع الآخرين جزءًا من الحياة اليومية. وبين كل هذه التحديات يبقى الحصول على فرصة عمل هو التحدي الأكبر الذي يقف في طريق آلاف الشباب.
في كل عام تتخرج أعداد كبيرة من الجامعات وهي تحمل أحلامًا وطموحات لا تقل عن طموحات من سبقهم. لكن الواقع يضعهم أمام سوق عمل محدود لا يستوعب هذا العدد من الخريجين فتبدأ رحلة البحث الطويلة عن وظيفة قد تمتد لسنوات. وخلال هذه السنوات لا يخسر الشاب وقته فقط بل يخسر ثقته بنفسه ويشعر بأن كل ما بذله من جهد خلال سنوات الدراسة أصبح بلا قيمة.
الأكثر غرابة أن معظم المؤسسات تشترط وجود خبرة عملية حتى في الوظائف المخصصة للخريجين الجدد. وهنا يبرز سؤال منطقي لا يجد له الشباب إجابة. كيف سيكتسب الخريج الخبرة إذا لم يحصل على الفرصة الأولى التي تمكنه من اكتسابها؟ وكيف يمكن أن يصبح مؤهلًا إذا كانت جميع الأبواب مغلقة في وجهه منذ البداية؟ إن اشتراط الخبرة دون توفير فرص حقيقية للتدريب أو التوظيف يشكل حلقة مغلقة يدفع ثمنها الخريج وحده.
ولا تتوقف المشكلة عند تأخر الحصول على الوظيفة بل تمتد إلى ما هو أخطر. فكلما طال ابتعاد الخريج عن تخصصه دون ممارسة عملية فقد جزءًا من المهارات والمعارف التي اكتسبها في الجامعة. فالعلم الذي لا يطبق يضعف مع مرور الوقت والمهارات التي لم تمارس تتراجع مهما كان صاحبها متفوقًا. وبعد سنوات من الانتظار يصبح الخريج مطالبًا بمنافسة خريجين أحدث منه وأكثر احتكاكًا بالتطورات التي طرأت على تخصصه.
كما يجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين للعمل في وظائف لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم فقط لتأمين مصدر دخل. وبذلك تخسر المؤسسات كفاءات كان يمكن أن تبدع في مجالاتها ويخسر المجتمع استثمارًا أنفق عليه سنوات طويلة في التعليم والتأهيل.
إن المشكلة ليست في كثرة الخريجين فالمجتمعات المتقدمة تفتخر بارتفاع نسب التعليم فيها. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التخطيط الذي يربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وفي ضعف برامج التدريب والتأهيل وفي محدودية الفرص التي تمنح الشباب بداية حقيقية لمسيرتهم المهنية.
إن الشباب لا يطلبون المستحيل ولا يبحثون عن امتيازات خاصة. هم يطالبون فقط بفرصة عادلة تثبت قدراتهم وتحول ما تعلموه إلى خبرة حقيقية. فالخبرة لا تولد مع الإنسان ولا تمنحها الشهادة الجامعية وحدها بل تصنعها الفرصة الأولى. وإذا بقيت هذه الفرصة غائبة فستبقى الشهادات تتراكم وستبقى الطاقات معطلة وسيظل السؤال الذي يؤرق آلاف الخريجين حاضرًا دون إجابة. كيف نطالب بالخبرة ونحن لا نمنح أصحابها الفرصة لاكتسابها؟؟