نحو استراتيجية وطنية تجعل الصناعات الكيماوية قاطرة الاقتصاد الأردني 1

نبض البلد -
حين نخلط بين تطوير قطاع قائم وبناء مشروع وطني: قراءة في مستقبل الصناعات الكيماوية الأردنية
بقلم : المهندس عميد العابد.

في كل مرة يُطرح فيها الحديث عن مستقبل الاقتصاد الأردني، تتجه الأنظار غالباً إلى قطاعات متعددة تبحث عن فرص النمو والاستثمار والتشغيل. لكن ثمة قطاعاً يقف في قلب المعادلة الاقتصادية الوطنية، ويملك من المقومات ما يؤهله لأن يكون أحد أهم محركات التنمية لعقود قادمة، وهو قطاع الصناعات الكيماوية بمختلف مكوناته من أسمدة ومبيدات ومنظفات ودهانات وأحبار ومستحضرات تجميل وكيماويات متخصصة.

وقد أتيحت لنا مؤخراً فرصة المشاركة في ورشة عمل خُصصت لمناقشة ما سُمي "استراتيجية قطاع الصناعات الكيماوية ومستحضرات التجميل في الأردن”، بحضور ممثلين عن الحكومة والقطاع الخاص. وبينما لا يمكن إنكار الجهد المبذول في إعداد الوثيقة وما تضمنته من أفكار وبرامج ومبادرات مهمة، إلا أن الملاحظة الجوهرية التي خرج بها العديد من المشاركين تتمثل في أن ما طُرح أقرب إلى خطة تطوير لقطاع صناعي قائم منه إلى استراتيجية وطنية شاملة قادرة على إعادة تشكيل مستقبل الصناعات الكيماوية في الأردن.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه هو الغياب اللافت لممثلين عن شركتي الفوسفات والبوتاس، وهما الشركتان اللتان تمثلان حجر الأساس لأي رؤية وطنية جادة لهذا القطاع. فمن الصعب الحديث عن استراتيجية وطنية للصناعات الكيماوية دون حضور الجهات المالكة لأهم الموارد الطبيعية التي يمكن البناء عليها لإقامة سلاسل قيمة صناعية متكاملة، تبدأ من استخراج المواد الخام ولا تنتهي عند المنتجات المتخصصة عالية القيمة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن البرامج التنفيذية والتحول الرقمي وكفاءة الطاقة والتصدير هو: ما هي الميزة النسبية الحقيقية التي يمتلكها الأردن؟ وما هي الموارد التي يمكن أن تشكل نقطة الانطلاق لبناء مشروع صناعي وطني طويل الأمد؟

الأردن لا يبدأ من الصفر. فهو يمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفات والبوتاس، ويمتلك ثروة فريدة تتمثل بالبحر الميت وما يحتويه من أملاح ومعادن وطين علاجي، كما تشير المعطيات الحديثة إلى وجود احتياطيات واعدة من الفوسفات في المنطقة الشرقية، بالتزامن مع وجود حوض الريشة الذي يحتوي على الغاز الطبيعي. وعندما تُجمع هذه العناصر ضمن رؤية متكاملة فإننا لا نتحدث عن مصانع منفردة أو منتجات متفرقة، بل عن قاعدة صناعية قادرة على إنتاج الأمونيا واليوريا وحامض الكبريتيك وحامض الفوسفوريك والأسمدة المركبة والمتخصصة والكيماويات الوسيطة ومئات المنتجات المشتقة ذات القيمة المضافة العالية.

ومن هنا تظهر الفجوة الأساسية بين الاستراتيجية المطروحة والرؤية الوطنية المطلوبة. فالوثيقة ركزت بصورة كبيرة على تحسين الكفاءة التشغيلية، والتحول الرقمي، والامتثال البيئي، والتوسع التصديري، وهي جميعها عناصر مهمة وضرورية، لكنها تمثل أدوات تطوير وليست مرتكزات بناء مشروع وطني صناعي متكامل.

فالاستراتيجية الوطنية الحقيقية يجب أن تبدأ من سؤال مختلف: كيف نحول الموارد الوطنية إلى سلاسل إنتاج وصناعات متكاملة؟ وكيف ننتقل من تصدير المواد الخام إلى تصدير المعرفة والمنتجات النهائية والتكنولوجيا والخبرات؟

إن القيمة الاقتصادية الحقيقية للفوسفات لا تكمن في تصديره خاماً أو حتى في إنتاج عدد محدود من المشتقات التقليدية، بل في بناء منظومة صناعات تحويلية واسعة تعتمد على الفوسفوريك أسيد ومشتقاته. وكذلك الأمر بالنسبة للبوتاس الذي يمكن أن يكون أساساً لصناعات متخصصة عديدة. أما الغاز الطبيعي في الريشة، فهو يمثل فرصة استراتيجية لإنتاج الأمونيا واليوريا، ما يفتح الباب أمام تحقيق تكامل وطني غير مسبوق في صناعة الأسمدة.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن النظر إلى قطاع الصناعات الكيماوية بمعزل عن القطاعات الأخرى. فكل مصنع كيماوي جديد يعني طلباً إضافياً على خدمات النقل، والطاقة، والتعبئة والتغليف، والتخزين، والخدمات اللوجستية، والتجارة، والصيانة، والتدريب، والتأمين، والخدمات المالية. وكل فرصة استثمارية في هذا القطاع تمتد آثارها إلى عشرات القطاعات الاقتصادية الأخرى.

كما أن هذا القطاع يمتلك قدرة استثنائية على خلق فرص عمل نوعية ومستدامة، ليس فقط داخل المصانع، وإنما في مجالات الهندسة والبحث والتطوير والفحوصات المخبرية والرقابة والجودة والتسويق والخدمات الفنية. وهو ما يفرض إعادة إحياء الدور الذي كان مأمولاً من مجلس مهارات قطاع الصناعات الكيماوية، والذي عمل منذ سنوات على وضع توصيات مهمة لتطوير المهارات الوطنية، لكنها لم تحظ للأسف بالتنفيذ المطلوب.

إن ما يحتاجه الأردن اليوم ليس مجرد قائمة مشاريع متفرقة أو مبادرات تحسين جزئية، بل رؤية وطنية تتكامل فيها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث العلمي، وتعمل جميعها ضمن هدف واحد يتمثل في بناء قطاع كيماوي وطني قادر على المنافسة العالمية، وقادر في الوقت ذاته على خدمة الأمن الاقتصادي والغذائي والصناعي للمملكة.

فالأوطان لا تُبنى بالصدفة، ولا تنهض مواردها تلقائياً. وما وهبه الله للأردن من ثروات طبيعية وموقع جغرافي وخبرات بشرية يستحق منا رؤية أكثر جرأة وطموحاً. رؤية تنظر إلى الفوسفات والبوتاس والبحر الميت والغاز الطبيعي بوصفها أدوات لصناعة المستقبل، لا مجرد موارد للتصدير أو مصادر للإيرادات.

وفي الحلقة القادمة سنحاول رسم ملامح استراتيجية وطنية متكاملة للصناعات الكيماوية الأردنية، تنطلق من الموارد الوطنية، وتبني سلاسل قيمة صناعية مترابطة، وتضع هذا القطاع في موقعه الطبيعي كإحدى القاطرات الرئيسية للاقتصاد الأردني خلال العقود المقبلة.