هل تتحول مراكز البيانات إلى أزمة بيئية عالمية جديدة؟

نبض البلد -
عندما يصطدم الذكاء الاصطناعي بأزمة المناخ

 ميناس بني ياسين
في الوقت الذي يدخل فيه العالم صيف 2026 وسط تحذيرات متزايدة من موجات حر قد تكون من بين الأقسى في السنوات الأخيرة، تتجه الأنظار إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوصفها إحدى أكثر مناطق العالم هشاشة أمام ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه وبينما تواصل الحكومات البحث عن حلول للتكيف مع التغير المناخي وتقليل الانبعاثات الكربونية، يبرز تحدٍ جديد لم يكن مطروحاً قبل سنوات قليلة فقط، يتمثل في البصمة البيئية المتنامية للذكاء الاصطناعي.
فالطفرة الهائلة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي منذ إطلاق النماذج التوليدية الكبرى دفعت الشركات التقنية إلى سباق عالمي لبناء مراكز بيانات ضخمة قادرة على تشغيل الخوادم العملاقة وتدريب النماذج المتقدمة، إلا أن هذه الثورة الرقمية التي ينظر إليها باعتبارها محركاً للنمو الاقتصادي والابتكار، بدأت تثير تساؤلات متزايدة بشأن كلفتها البيئية الحقيقية، خصوصاً في مجالي استهلاك الكهرباء والمياه.
ثورة رقمية تلتهم الطاقة
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالمياً مرشح للارتفاع بشكل غير مسبوق خلال السنوات المقبلة، حيث يتوقع أن يصل إلى نحو 945 تيراواط ساعة سنوياً بحلول عام 2030، أي أكثر من ضعف مستويات عام 2024، ويعادل هذا الحجم تقريباً إجمالي استهلاك اليابان من الكهرباء، ما يعكس حجم التحول الذي يشهده القطاع الرقمي عالمياً.
ويرى خبراء الطاقة أن الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك الرئيس لهذا النمو المتسارع إذ تتطلب النماذج الحديثة قدرات حوسبة هائلة ومعالجات متخصصة تعمل لساعات طويلة على مدار العام، وتشير التقديرات إلى أن الطلب على الكهرباء من الخوادم المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي قد ينمو بمعدلات تقارب 30% سنوياً حتى نهاية العقد الحالي، فيما تتوقع مؤسسات بحثية متخصصة ارتفاع استهلاك الطاقة في مراكز البيانات بنسبة تصل إلى 160% بحلول عام 2027 مقارنة بالمستويات الحالية.
المياه..الضحية الخفية للذكاء الاصطناعي
لكن الكهرباء ليست سوى جانب واحد من المعادلة البيئية فخلف جدران مراكز البيانات تعمل أنظمة تبريد معقدة لمنع ارتفاع حرارة الخوادم، وهو ما يتطلب كميات ضخمة من المياه. وتشير تقديرات حديثة إلى أن مركز بيانات واحداً بقدرة 100 ميغاواط قد يستهلك ما بين 1.5 و3 ملايين متر مكعب من المياه سنوياً لأغراض التبريد فقط.
وتزداد أهمية هذا الرقم عند النظر إلى واقع الموارد المائية العالمية، إذ تشير تقديرات منشورة خلال عام 2026 إلى أن مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تكون استهلكت نحو تريليون لتر من المياه خلال عام 2025، أي ما يعادل حوالي 264 مليار غالون سنوياً أو ما يزيد على 550 مليون غالون يومياً، وتثير هذه الأرقام مخاوف متزايدة لدى خبراء البيئة، خصوصاً في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعاني أصلاً من ضغوط مائية متزايدة بفعل التغير المناخي والنمو السكاني.
وفي هذا السياق أصبحت مشاريع مراكز البيانات العملاقة تواجه اعتراضات متزايدة من المجتمعات المحلية والمنظمات البيئية ففي عدد من الولايات الأميركية أثيرت تساؤلات حول تأثير المنشآت الجديدة على موارد المياه والطاقة، خاصة في المناطق الصحراوية التي تعاني محدودية الموارد الطبيعية ويرى منتقدون أن التوسع السريع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى منافسة مباشرة بين احتياجات السكان والقطاع الرقمي على المياه والكهرباء.
الذكاء الاصطناعي يواجه اختبار المناخ
وتجد شركات التكنولوجيا الكبرى نفسها اليوم أمام ضغوط مناخية متزايدة فبعد سنوات من التركيز على الابتكار والنمو، باتت مطالبة بإثبات قدرتها على التوفيق بين التوسع في الذكاء الاصطناعي وتحقيق أهداف الاستدامة البيئية وتواجه شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وغيرهما انتقادات متزايدة بسبب ارتفاع الانبعاثات الكربونية واستهلاك الموارد المرتبط بعمليات تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
ودفعت هذه الضغوط عدداً من الشركات إلى الإعلان عن استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة النظيفة وإزالة الكربون، كما أعلنت مجموعة من شركات التكنولوجيا خلال الفترة الأخيرة التزامات مالية تقارب 915 مليون دولار لدعم تقنيات سحب الكربون من الغلاف الجوي، في محاولة للتخفيف من الآثار البيئية المتوقعة للتوسع الرقمي العالمي.
وفي المقابل تؤكد الشركات أن القطاع يتحرك بالفعل نحو حلول أكثر كفاءة فقد أعلنت مايكروسوفت أن بعض مراكز بياناتها الجديدة ستعتمد أنظمة تبريد مغلقة تقلل استهلاك المياه بشكل كبير مقارنة بالأنظمة التقليدية، فيما تعمل شركات أخرى على استخدام مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الخوادم وتقنيات التبريد.
ورغم هذه الجهود يرى خبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحسين كفاءة المراكز الجديدة، بل في الحجم الهائل للنمو المتوقع خلال السنوات المقبلة فمع دخول الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، يتوقع أن يستمر الطلب على البنية التحتية الرقمية في الارتفاع بوتيرة غير مسبوقة، ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على شبكات الكهرباء والموارد المائية في العديد من مناطق العالم.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية مضاعفة في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع تحديات المناخ والمياه والطاقة في منطقة تعد من بين الأكثر تعرضاً لآثار الاحترار العالمي. فبينما ترتفع درجات الحرارة وتتراجع الموارد المائية الطبيعية، يتوسع العالم في بناء منظومة رقمية تعتمد على كميات متزايدة من الكهرباء والمياه. وهنا يبرز السؤال الذي بدأ يفرض نفسه على أجندة المناخ العالمية: إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل مستقبل الاقتصاد العالمي، فهل يستطيع هذا المستقبل تحمل فاتورته البيئية المتزايدة في عالم يزداد سخونة عاماً بعد عام؟