حظر التهرب الرقمي بتأطير نشاط المؤثرين

نبض البلد -
عيسى عبدالرحيم الحياري 
يشهد العالم اليوم تحولاً اقتصادياً متسارعاً نحو الفضاء الرقمي، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي إحدى أبرز أدوات التسويق والتأثير التجاري، بل وتجاوزت في كثير من الأحيان وسائل الإعلان التقليدية من حيث الانتشار والعائد المالي وسرعة الوصول إلى الجمهور.
ومع هذا التحول، برز المؤثرون وصناع المحتوى كأطراف فاعلة في النشاط الاقتصادي، يحقق بعضهم عوائد مالية كبيرة من الترويج للسلع والخدمات والمحال التجارية والمطاعم والمراكز التجميلية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، في ظل غياب رقابة ضريبية وتنظيمية تتناسب مع حجم هذا النشاط المتنامي.
ولم يعد من المقبول النظر إلى ما يُنشر عبر هذه المنصات على أنه مجرد تجارب شخصية أو مشاركات عفوية، إذ إن جزءاً واسعاً من المحتوى الترويجي يُقدَّم مقابل مبالغ مالية أو امتيازات عبر منافع عينية ذات قيمة اقتصادية، سواء أكانت على شكل خدمات مجانية أم منتجات وهدايا ومزايا مختلفة. ومن الناحية القانونية، فإن هذه العوائد، النقدية منها والعينية، تُعد دخلاً خاضعاً للضريبة بموجب أحكام المادة (3) من قانون ضريبة الدخل الأردني رقم (34) لسنة 2014 وتعديلاته، باعتبارها ناتجة عن نشاط أو خدمة أو عمل يحقق منفعة مالية داخل المملكة ،كما أن النشاط الإعلاني الرقمي لا ينفصل عن أحكام قانون الضريبة العامة على المبيعات رقم (6) لسنة 1994 وتعديلاته، والذي أوجب على كل من يمارس نشاطاً خدمياً أو إعلانياً، وبلغ حد التسجيل القانوني، التسجيل لدى الدائرة والالتزام بأحكام الضريبة والفوترة والتحصيل وفقاً للتشريعات النافذة.
ورغم وضوح النصوص القانونية، إلا أن الواقع العملي يكشف عن وجود فجوة رقابية حقيقية في تتبع الأنشطة الإعلانية الرقمية، الأمر الذي أدى إلى ضياع إيرادات مالية كبيرة على الخزينة العامة نتيجة عدم حصر الدخول المتحققة من الإعلانات والترويج المدفوع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
والأخطر من ذلك أن هذا الفراغ التنظيمي ساهم في خلق حالة من عدم العدالة الضريبية بين أصحاب الأعمال التقليدية الملتزمين بالقانون وبين بعض العاملين في الاقتصاد الرقمي الذين يحققون أرباحاً مرتفعة بعيداً عن أي التزامات مالية أو ضريبية واضحة.
وفي المقابل، فإن جزءاً من هذا المحتوى الترويجي يقوم على المبالغة والتضليل التجاري والتأثير غير المهني على سلوك المستهلك، سعياً لتحقيق الانتشار والربح السريع دون وجود ضوابط واضحة للمساءلة المالية أو الضريبية. ولذلك، فإن استمرار هذا الواقع من شأنه أن يوسع دائرة الاقتصاد غير المنظم ويضعف ثقة المكلف الملتزم بعدالة النظام الضريبي.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى وضع إطار تشريعي وتنظيمي أكثر وضوحاً وحزماً لتنظيم نشاط المؤثرين وصناع المحتوى، من خلال إصدار تعليمات خاصة بأسس تقدير دخولهم، بما يمنح الإدارة الضريبية صلاحيات تقدير الدخل الحقيقي استناداً إلى حجم التفاعل والمشاهدات والقيمة السوقية للإعلانات والعقود الرائجة في السوق، خصوصاً في الحالات التي يتم فيها إخفاء العقود أو الامتناع عن تقديم الإقرارات الضريبية الصحيحة أو عدم الإفصاح عن المنافع العينية المتحققة.
كما أن الالتزام بالفوترة الإلكترونية عبر نظام الفوترة الوطني يجب أن يشكل حجر الأساس في تنظيم هذا القطاع؛ إذ لا يجوز أن تُقدَّم أي خدمة إعلانية أو ترويجية خارج إطار فاتورة أصولية صادرة وفق أحكام النظام، سواء كان المقابل مادياً مباشراً أم منفعة عينية أو خدمة مجانية ذات قيمة اقتصادية ، فالفاتورة لم تعد مجرد إجراء شكلي، بل أصبحت أداة قانونية ورقابية لضبط النشاط الاقتصادي وتعزيز العدالة الضريبية والحد من التهرب والإخفاء.
ولا تقتصر المسؤولية القانونية على المؤثر أو صانع المحتوى وحده، بل تمتد كذلك إلى التاجر أو المنشأة التي تستعين بالمروجين الرقميين، فالقانون يوجب في العديد من الحالات، اقتطاع ضريبة الدخل من المصدر على بدل الخدمات الإعلانية المقدمة، وتوريدها للدائرة المختصة كدفعة على حساب الضريبة المستحقة على المؤثر، بما يضمن عدم استخدام التاجر كوسيلة لتمرير الدفعات خارج المظلة الضريبية أو المساهمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في التهرب الضريبي و ذلك عبر مراقبة المروِج و من يروِج لأنشطتهم و اعتبار ما قدمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي خدمة مؤداة يلاحق كلا الطرفين في حال لم يتم الإعلان عن الدخل في الإقرار السنوي لضريبة الدخل لما يعرف بالمؤثر و إثبات مصروف و الاقتطاع عما دفعه له المروَج له .
و كما نعلم لا ينبغي للتاجر أو المنشأة بتنزيل نفقات الدعاية والإعلان والترويج كمصاريف مقبولة ضريبياً إلا إذا كانت مدعومة بفواتير أصولية صادرة عن نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، ومثبتاً فيها قيمة المبالغ أو المنافع العينية المدفوعة للمؤثر، إضافة إلى ما يثبت اقتطاع الضريبة وتوريدها أصولياً للدائرة المختصة، فربط قبول النفقة الضريبية بوجود الفاتورة والاقتطاع والتوريد يشكل أداة رقابية فعالة لإغلاق منافذ التهرب، وتحقيق الردع المتبادل بين مقدم الخدمة ومتلقّيها.
كما أن العديد من المؤثرين لا يعملون بصورة فردية، بل يعتمدون على كوادر فنية وإدارية تشمل التصوير والإخراج والمونتاج وإدارة الصفحات والإعلانات والتطبيقات، ما يعكس وجود نشاط اقتصادي متكامل يدر إيرادات متكررة من المحتوى والإعلانات المنشورة، رغم عدم الإفصاح في كثير من الحالات عن العوائد المتحققة من كل مادة أو فيديو ترويجي يتم نشره عبر المنصات الرقمية.
إن تنظيم الاقتصاد الرقمي لم يعد ترفاً تشريعياً أو خياراً إدارياً قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها متطلبات العدالة الضريبية وحماية الاقتصاد الوطني من التهرب الضريبي و تتبع حركة الأموال و ما قد يرافقها من السلع و الخدمات ، فاستمرار الأنشطة الرقمية خارج نطاق الرقابة والتنظيم يخلق سوقاً غير متكافئة، ويشجع على التهرب الضريبي، ويؤدي إلى الإضرار بالمكلفين الملتزمين بالقانون.
أما إدماج هذا القطاع ضمن الاقتصاد المنظم، فإنه يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز الإيرادات العامة، وترسيخ مبدأ المساواة أمام الالتزامات الضريبية، وبناء بيئة اقتصادية أكثر عدالة وشفافية في عصر أصبحت فيه التجارة الرقمية واقعاً لا يمكن تجاهله.