السياحة: التحفيز ام خطاب الهدم

نبض البلد -
بقلم : هاني الدباس

في اللحظات الصعبة تظهر الرؤى الحقيقية لمن يفتح صدره للعمل العام ، ويتكشف الفرق بين من يحمل هم الوطن ، وبين من يختار الوقوف على الأطلال وتعداد الخسائر وكأن السقوط قدر لا يمكن رده.
السياحة ليست ارقاماً عابرة في تقارير الاقتصاد والنمو ، هي روح المدن والمواقع ، وذاكرة الوطن، وهي مصدر الرزق لعشرات آلاف العائلات التي تنتظر موسماً ناجحاً لتستمر الحياة.

المؤلم اليوم ليس وجود التحديات، فهي رفيقة كل القطاعات وهي تمر بمنعطفات وأزمات، ما يبعث للألم أن تخرج أصوات ممن يمثلون جهات يفترض أنها جزء من منظومة السياحة بخطاب من هذا النحو يمكن ان يضرب القطاع في مقتل، فالرسائل السوداوية التي تركز على الإغلاق والتسريح والانهيار، دون تقديم الحلول العملية التي تعيد الطمأنينة إلى السوق وتمنح العاملين أملا بالصمود لا طائل منها.

حين نتحدث عن تسريح موظفين فنحن لا نتحدث عن أرقام جامدة، بل عن بيوت قد ينطفئ نورها، وأسر قد تفقد مصدر أمانها الوحيد، وحين يُطرح إغلاق المنشآت كأمر واقع، فإننا لا نخسر استثمارات فقط، بل نُضيع سنوات من البناء والثقة ، والسمعة التي صنعتها الدولة والقطاع معا بشق الأنفس.

دعا وزير السياحة في اكثر من مناسبة واجتماع إلى إنشاء صندوق للمخاطر والأزمات، كخطوة تعكس وعياً لافتاً وكأحد الحلول العملية الحقيقية. فإدارة الأزمات لا تكون بالتصريحات المرتجلة وتعداد الخسائر، بل ببناء أدوات حماية واستدامة وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار الجهود التي يقودها وزير السياحة في التعامل مع ملف شديد الحساسية وسط ظروف إقليمية واقتصادية معقدة، عبر البحث عن حلول واقعية تحمي القطاع وتمنح العاملين فيه فرصة للاستمرار. وفي المقابل، تظهر أحيانا قوى شد عكسي تمارس النقد بهدف إرضاء جهات معينة أو تسجيل مواقف آنية، دون إدراك لحجم الضرر الذي قد ينعكس على ثقة السوق وسمعة السياحة الأردنية. فالمرحلة تحتاج إلى خطاب مسؤول يبني ولا يهدم، ويقدم الحلول بدل الاكتفاء بوصف الأزمة.

ان إطلاق صندوق كهذا يعني أن القطاع لن يُترك وحيدا في العواصف، وأن هناك مظلة قادرة على حماية العاملين والمنشآت من الانهيار عند أول هزة اقتصادية أو إقليمية.

صندوق المخاطر ليس مجرد دعم مالي، بل رسالة استدامة تمنح الثقة للسوق، وتوفر الطمأنينة للمستثمر، وتعبير حقيقي من الوفاء للموظف الذي أفنى عمره في خدمة القطاع.
كيان جديد يُشكل بكل المعايير ضمانةً لاستمرار المنشآت بدل إغلاقها، وحماية للخبرات الوطنية من التبخر، ووسيلة لإبقاء عجلة السياحة تدور حتى في أصعب الظروف.
أما الاكتفاء بإطلاق التصريحات الوصفية لتداعيات الأوضاع ، ورسم مشهد قاتم دون تقديم حلول، فلا يصنع إصلاحاً، بل يعمق الجرح.

ان النقد الحقيقي الذي نتبادله بكل احترام لكل اقطاب المعادلة ، لا يمكن ان يكون بالقذف ولا بإثارة الذعر، وإنما بطرح البدائل، ومد اليد لخلق الحلول ، والعمل المشترك لإنقاذ القطاع قبل أن تتسع الفجوة أكثر.

السياحة اليوم لا تحتاج لمن يعلن وفاتها، بل لمن يقاتل من أجل بقائها، فهي كنز الأردن الحقيقي الذي يحتاج لعقولٍ تبني، لا لأصواتٍ تهدم، والكلمة في هذا القطاع حتى على سبيل الرأي ، قد تكون سبباً في إنقاذ فرصة، أو خسارة موسم كامل.

حين يكون الوطن تحت الضغط، تصبح المسؤولية أكبر من أي خلاف، وأعمق من أي مكسب مؤقت، فإما أن نكون جزءا من الحل، أو نتحمل مسؤولية الخسارة أمام وطن يستحق منا أن نحميه لا أن نزيد من أعباءه بسبب فواتير المحيط الملتهب والإقليم الذي لم يهدأ منذ سنوات .