فضيحة إبستين تكشف عورة النظام العالمي وخطاب حقوق الإنسان

نبض البلد -

هيفاء غيث


عندما تكون الغرائز سيدة الموقف، يسقط كل ما عداها، تسقط المبادئ، ويتهاوى العلم، وتذوب الشعارات الرنانة التي طالما تغنّى بها عالمٌ ادّعى التحضّر والأخلاق، فضيحة إبستين لم تكن مجرد قضية جنائية عابرة، بل لحظة كاشفة لوجهٍ مظلمٍ لمنظومة عالمية تُدار في الخفاء، حيث تتقاطع السلطة والمال والنفوذ مع أبشع الرذائل والجرائم والشذوذ والغرائز الحيوانية.

حين يكون رؤساء دول، وعلماء، وصفوة العالم ونخبتهم، على قوائم الاتهام أو في دوائر الشبهات، لا يعود السؤال عن الخطأ الفردي، بل عن البنية التي سمحت بذلك، هنا يسقط الادّعاء، وتسقط الأخلاق المعلّبة، وتظهر حقيقة أن الرذيلة لا تعيش على الهامش، بل تتربّع أحياناً في قلب القرار العالمي.

قضيةجفري ابستينكشفت شبكة علاقات معقّدة ربطت المال بالسلطة وبمراكز التأثير، لم يكن الرجل ظاهرة معزولة، بل عقدة في منظومة ابتزاز محكمة، فكل متنفذ صاحب سلطة أو مال أو علم، يُمسك من ذلّته إلى أن يقوم بما هو مطلوب منه من موقعه أو مكان تأثيره. هكذا تتحول الفضيحة إلى أداة حكم، ويتحوّل الانحراف إلى عملة تفاوض، وتُدار المصالح خلف ستار من الصمت والتواطؤ.

في هذا المشهد، يصبح القول إن "العالم بات بين قبضة هؤلاء” توصيفاً لشعورٍ عام بفقدان الثقة، فالعلم حين يُجرَّد من الأخلاق يتحول إلى أداة، والسياسة حين تُختزل في صفقات تصبح مسرحاً، والإنسان حين يُستغل يُختزل إلى رقم، ليست الكارثة في الجريمة وحدها، بل في الصمت الذي أحاط بها، وفي بطء العدالة، وفي محاولات الطمس، وفي تحويل الضحايا إلى هوامش.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل انتهى إبستين فعلاً؟ أم أن هناك الكثير من "إبستين” يستلمون منه هذه الراية العفنة، لتستمر منظومة الإجرام والشذوذ في التحكم بالعالم؟ رحيل الشخص لم يُنهِ القصة، بل فتح باب الشك: فالقضية ليست فرداً، بل نمطاً؛ ليست اسماً، بل شبكة؛ وليست حادثة، بل آلية.

هل سيستطيع العالم أن يُسقط ورقة التوت عن عورة هؤلاء المجرمين الشواذ؟ إسقاط ورقة التوت لا يعني فضح أسماء فحسب، بل تفكيك منظومات الحماية: المال السياسي، النفوذ الإعلامي، والقوانين التي تُفصَّل أحياناً على مقاس الأقوياء، من دون ذلك، ستبقى الفضيحة مجرد عاصفة إعلامية عابرة

ثم يأتي السؤال الأكثر إيلاماً: هل سيتوقف الاتجار بالبشر والأطفال؟ ما دام الجسد يُختزل إلى سلعة، وما دامت الحروب والفقر والنزوح تُنتج ضحايا بلا حماية، ستظل هذه الجرائم تجد من يتغذّى عليها، إبستين لم يخلق الجريمة، بل استثمر في بيئة سمحت لها بالازدهار في الظل.

وتتعاظم المفارقة حين نتأمل خطاب العالم عن حقوق المرأة والطفل، هل سيقدر العالم على إحداث التغيير الحقيقي، والانتقال من مرحلة الشعارات الرنانة إلى مرحلة التطبيق الفعلي؟ فالمؤتمرات والبيانات لا تحمي طفلاً، ولا تنقذ امرأة، إن لم تُترجم إلى قوانين عادلة، وقضاء مستقل، وآليات محاسبة لا تخضع للابتزاز ولا للمساومات.

أم أننا سنستمر في الغرق بوحل الرذائل والشهوات، ونكتفي بإدانة موسمية تعقبها عودة مريحة إلى الصمت؟ الإجابة لم تُحسم بعد، إنها معلّقة على وعي المجتمعات، وشجاعة الإعلام، وإصرار الضحايا، وقدرة العالم على كسر دائرة الإفلات من العقاب.

في النهاية، هذه ليست معركة ضد شخص، بل ضد منظومة، وليست قضية أخلاقية فحسب، بل قضية كرامة وعدالة، فإما أن تكون فضيحة إبستين نقطة تحوّل تكشف المستور وتعيد الاعتبار للإنسان، أو أن تبقى ورقة أخرى في أرشيف طويل من الفضائح… تُغلق، وتُنسى، وتُورَّث.