الشوبكي: التبرعات العربية متواضعة مقابل الدعم الضخم من الغرب للكيان الصهيوني
الطماوي: غزة بحاجة إلى استجابة مستدامة لإعادة الإعمار بعيدًا عن المساعدات الطارئة
العابد: الدعم العربي والإسلامي لغزة خجول ولم يرتقِ لقوة ضغط مالي أو سياسي
الأنباط - رزان السيد
ما تزال جهود إعادة إعمار غزة حبرًا على ورق في ظل تواضع الجهود العربية لجمع التبرعات لتأمين تمويل الإعمار، في مواجهة دعم ضخم ومتواصل يصل للكيان المحتل عبر منظمات يهودية تديرها اتحادات قوية في الولايات المتحدة.
الجهود والتبرعات العالمية والعربية تبقى ضعيفة جراء خلافات سياسية أحيانًا، وتحديات ترتبط بتصرفات الكيان الصهيوني في أحيان أخرى، ما يضع العالم على مفترق طرق أخلاقي بين دعم الضحية أم مساعدة الجلاد؟
غزة التي ما تزال تتعرض لأعنف هجوم همجي في التاريخ الحديث من قبل الكيان المحتل منذ ما يربو على 500 يوم، ما تزال تئن تحت قصف طيران الاحتلال لمنازل مدمرة أصلًا وخيام التحفها ساكنوها هربًا من العراء.
وبشكل عام، تواجه الساحة الدولية تحديات كبيرة في مجال جمع التبرعات ودعم جهود إعادة الإعمار في مناطق الصراع، لا سيما في فلسطين المحتلة وخصوصًا غزة، التي تعاني من دمار هائل نتيجة عدوان الاحتلال الصهيوني.
إذ يظهر التفاعل الدولي بشكل متباين، حيث تبرز الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية كمثال على نجاح استراتيجية استثمار الشبكات المالية والإعلامية لجمع التبرعات لصالح الكيان الصهيوني، هذه الشبكات، التي تضم أكثر من 350 منظمة يهودية وتديرها اتحادات يهودية قوية في الولايات المتحدة، تلعب دورًا محوريًا في دعم الكيان المحتل، ليس فقط عبر جمع المساعدات المالية التي تجاوزت المليار دولار منذ "طوفان الأقصى"، بل أيضًا عبر تفعيل مشاريع مثل "تاجليت" التي تركز على جذب الشباب اليهودي لدعم سياسات الكيان.
على الجانب الآخر، تعتبر جهود العالم العربي في جمع التبرعات لصالح غزة محدودة مقارنة بما تقدمه هذه الشبكات، وذلك نتيجة لعدد من التحديات السياسية واللوجستية، رغم المحاولات المستمرة لتقديم الدعم الإنساني والطبي والمالي، تبقى المساعدات العربية في ظل الأزمات المتعددة غير كافية لتحقيق الاستدامة في إعادة إعمار غزة.
ويشير محللون إلى ضرورة وجود استراتيجيات جديدة ومتعددة الأطراف لتعبئة الموارد وضمان استدامة الدعم العربي والإسلامي، بما في ذلك تفعيل التنسيق بين الحكومات، القطاع الخاص، والمجتمع المدني لضمان نجاح مشاريع إعادة الإعمار على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، قال المحلل الأمني والسياسي، محسن الشوبكي، إن الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية، والتي تضُم 350 منظمة يهودية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الامريكية ومقرها نيويورك، تمول العديد من المشاريع للتجمعات اليهودية في أمريكا وفي الكيان الصهيوني، مشيرًا إلى أن أبرز هذه المشاريع، دعم عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوفير كل السبل لتسهيل تأقلم المهاجرين إلى الكيان، ومساعدتهم على العمل والإقامة والدراسة.
وبيّن الشوبكي، خلال حديثه لـ "الأنباط"، أن التبرعات المالية التي جُمعت منذ السابع من أكتوبر 2023، قدّرت بحوالي المليار دولار، ودأبت هذه الاتحادات على استضافة ضباط من جيش الكيان ليتم شرح وتوضيح ما يحدث ميدانيًا للمتبرعين، وذلك لحثهم على تقديم الدعم.
وأوضح أن مشروع "تاجليت" (Tiglit)، الذي تعني كلمته العبرية "الاكتشاف"، يركز على الشباب اليهود في أمريكا الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عامًا، إذ يتم تنظيم جولات لهم لزيارة الكيان الصهيوني في رحلات دينية تستمر من عشرة أيام إلى ثلاثة أسابيع، وبدأ هذا المشروع عام 1999، وشارك فيه أكثر من 900 ألف شاب حتى الآن.
وأشار الشوبكي إلى أنه منذ "طوفان الأقصى"، قام المشروع بتنظيم زيارات لضباط من الكيان الذين شاركوا في الحرب على غزة.
وبين أن المشروع يهدف إلى تعبئة المشاركين لدعم الكيان في أمريكا، كما يخطط المشروع لاستقطاب 10 آلاف متطوع خلال عام 2025 للمساهمة في جهود إعادة إعمار الكيان بعد الحرب على غزة، وتبلغ تكلفة المشاركة في الرحلة حوالي 4500 دولار، حيث يتم تمويل الجزء الأكبر منها من قبل المتبرعين اليهود الأمريكيين، فيما تساهم حكومة الكيان والاتحادات اليهودية ببقية المبلغ.
وتأتي عمليات جمع التبرعات للاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية، في إطار الدعم السياسي الأمريكي لهذا النشاط، وكذلك حجم وقوة الشبكات والمنظمات التي تديرها في أمريكا، بالإضافة إلى استثمار الأذرع الإعلامية الأمريكية للترويج لمثل هذه البرامج.
ولفت الشوبكي إلى الجهود الشعبية العربية في جمع التبرعات لصالح غزة، وبالرغم من قوتها إلا أن حجم هذه التبرعات متواضع، ويعود ذلك لعدة اعتبارات، منها الخلافات السياسية والتحديات المرتبطة بتصرفات الكيان الصهيوني، التي تعيق وصول هذه التبرعات، مشيرًا إلى أن التبرعات الرسمية قليلة للغاية، وتركز في الغالب على توفير احتياجات أساسية، مثل الطعام والشراب والرعاية الصحية، إذ أن هذه التبرعات لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جدًا من احتياجات قطاع غزة الإنسانية، وفيما يتعلق بإعادة إعمار القطاع، فإن ذلك سيمثل تحديًا كبيرًا حول كيفية الحصول على التمويل المناسب والجهات المانحة القادرة على تقديم الدعم الكافي.
واختتم الشوبكي حديثه بأن الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية تتحرك بدافع عقائدي وديني متطرف، ونشاطها المكثف منذ طوفان الأقصى يتقاطع مع المعلومات التي تؤكد مغادرة حوالي 700 ألف إلى مليون شخص الكيان للإقامة في مختلف دول العالم، وذلك بعد بيع ممتلكاتهم في الكيان.
من جهته، يرى المحلل السياسي، الدكتور محمد الطماوي، أن الساحة العالمية تشهد تباينًا كبيرًا في الاستجابة من مختلف الأطراف، لإعادة إعمار مناطق الصراع والنزاعات، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني تميّز بقدرته الفائقة على تعبئة الموارد المالية والبشرية لإعادة بناء نفسه بسرعة، وهو ما يعكس قوة الدعم الذي يتلقاه من لوبياتها في أنحاء العالم، في حين تبقى غزة بحاجة ماسة إلى استجابة مستدامة ومنسقة من المجتمع العربي والدولي.
وبيّن الطماوي، في حديثه لـ"الأنباط"، أن اتحادات اليهود في أمريكا الشمالية تمكنت من جمع أكثر من 850 مليون دولار منذ الحرب على غزة في أكتوبر 2023، مؤكدًا أن هذه المبادرات ليست جديدة، بل تأتي في إطار استراتيجيات قديمة وفعالة، لطالما سعت من خلالها الجاليات اليهودية في مختلف أنحاء العالم إلى دعم الكيان ماليًا وبشريًا.
وأوضح أن ما يميز هذه الجهود هو أن هناك شبكة متكاملة تمويلية وإعلامية وسياسية، والتي تعمل من وراء الكواليس لدعم الاحتلال، وعلى رأسها المؤسسات المالية اليهودية، بما في ذلك رجال الأعمال والمستثمرين المنتشرين في الولايات المتحدة وأوروبا، وجميع هذه المؤسسات والأفراد يلعبون دورًا محوريًا في هذه الديناميكية، ووفقًا لتقرير حديث صادر عن الاتحاد اليهودي لأمريكا الشمالية (JFNA)، تم الإشارة إلى أن إجمالي المساعدات المالية التي قدمتها هذه الشبكات منذ نشأتها وصل إلى أكثر من 5 مليارات دولار، وذلك لدعم حكومة الاحتلال، وتمويل المستوطنات، وكذلك إعادة الإعمار بعد الحروب.
وأضاف أن هذا التمويل لا يقتصر على المساعدات المالية، بل يتعداه لخلق شبكة ضغط سياسي على الحكومات الغربية، حيث تقوم جماعات الضغط الصهيونية مثل إيباك(AIPAC) بالضغط على السلطات الأمريكية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى حصول الكيان الصهيوني على دعم عسكري ومالي إضافي، كما حدث مؤخرًا مع تخصيص 14.3 مليار دولار من الكونجرس الأمريكي للاحتلال.
على الجانب الآخر، نوه الطماوي إلى أن غزة تشهد تحديات كبيرة في تلقي الدعم الكافي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، على الرغم من أن الدول العربية تواصل تقديم مساعدات، سواء في شكل تبرعات أو دعم سياسي، موضحًا أن هذه المساعدات غالبًا لا تملك التنسيق المستمر والمتكامل الذي يمكن أن يضمن استدامة الدعم على المدى البعيد، لكن تبقى الجهود العربية موجهة نحو توفير الدعم الإنساني والطبي والمالي لغزة، كما أن هناك العديد من المبادرات التي يتم إطلاقها بشكل دوري لدعم الفلسطينيين في مواجهة الأزمات التي تمر بها المنطقة.
بيّن أن إحدى التحديات التي تواجه الدول العربية في تقديم دعم مستدام وفعال لغزة هي الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين الحكومات والمؤسسات المالية والإغاثية في المنطقة، ومع وجود أزمات اقتصادية وسياسية، قد يصعب على الدول العربية تقديم دعم طويل الأمد يتجاوز المساعدات الطارئة، ومن هنا تأتي أهمية وجود استراتيجيات جديدة للتمويل المتواصل وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في حملات التبرع، مما يسهم في توفير موارد مالية مستدامة.
لذلك، يمكن النظر إلى هذه الفجوة في الاستجابة كدعوة لإعادة النظر في طريقة التعاون العربي والدولي مع غزة، والعمل على تبني استراتيجيات مبتكرة تضم القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والدول العربية، بحيث تساهم في توفير بيئة ملائمة لإعادة الإعمار التي طرحتها مصر على المدى الطويل، ويمكن أن تشمل هذه الاستراتيجيات إنشاء آليات لدعم إعادة الإعمار بشكل مستدام، بعيدًا عن الاعتماد على المساعدات الطارئة، بالإضافة إلى تعزيز قدرة غزة على مواجهة التحديات من خلال برامج تنمية بشرية واقتصادية، بحسب الطماوي.
من جهته، أوضح المحلل السياسي والباحث في العلاقات الدولية نعمان العابد، أن مجموعات الضغط واللوبيات حول العالم كانت تنشط قبل قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي، لدعم هذا الكيان بكل ما تستطيع، حتى يقوم بالاحتلال والإستيطان والإبادة الجماعية، كالتي ينفذها الكيان حاليًا في قطاع غزة والضفة الغربية.
وأشار العابد، خلال حديثه لـ"الأنباط"، إلى أن هذه اللوبيات تقوم أولًا بالدعم المعنوي والدبلوماسي والإعلامي لهذا الكيان، عبر نشر الأفكار المغلوطة التي أسست على أساسها كيان الاحتلال من البداية، وعبر تبرير ما يقوم به من الاحتلال والاستيطان والقتل، وتبرير وجوده في منطقة الشرق الأوسط كدولة تم تأسيسها في هذه المنطقة.
وأكد أن هناك دعم مادي توفره هذه اللوبيات، إذ تقوم بجمع تبرعات من الجاليات، سواء اليهودية أو المسيحية الصهيونية، أو الجاليات التي تدعم فكرة وجود كيان الاحتلال، مشيرًا إلى أنه منذ العدوان الأخير والمستمر على غزة، نشطت هذه اللوبيات في دعم الكيان، عبر نشر الأفكار التي يؤمنوا بها، والتي تبرر هذا العدوان على شعبنا الفلسطيني، والتي أيضًا تعطي صورة سيئة للنضال الوطني الفلسطيني، وصورة سيئة لما حدث في السابع من أكتوبر، ومدى الظلم الذي لحق بالكيان.
وفي معرض حديث العابد، أبدى أسفه لعدم توفر نظير مقابل لهذا الدعم المادي والسياسي لمساندة الشعب الفلسطيني مع عدم وجود لوبيات تساند القضية الفلسطينية.
ونوه إلى وجود دعم خجول من جمعيات، وشخصيات، ولكن لم يتحول هذا الدعم إلى قوة ضغط أو مؤسسة تدعم الشعب الفلسطيني، أو جهة رسمية داعمة، على العكس، هناك العديد من الدول تمنع مجرد إقامة مظاهرة تأييد للشعب الفلسطيني، أو أن تكون ضد ما يقوم به الكيان الصهيوني بحق البشر في قطاع غزة والضفة الغربية.