نبض البلد - د. حازم قشوع
بعد نجاح الدولة الأردنية في التعامل مع تداعيات العمل الإرهابي في الكرك، وملاحقة أوكار التنظيمات الإرهابية في جنوب سوريا خلال زمن قياسي، ووئد محاولات الفتنة قبل
أن تمتد آثارها إلى النسيج الوطني، تكون الدولة قد وجهت رسالة حاسمة تتجاوز حدود القطرية ، مفادها يقول "لن نسمح بتغيير قواعد الاشتباك الاستخباري فان لدينا خطوط حمراء يجب على الجميع ان يفهمها جيدا" ، بأن أمن الأردن ووحدته الوطنية خط أحمر، وأن قدرة الدولة على حماية مجتمعها تستند إلى تماسك مؤسساتها والتفاف الأردنيين حول قيادتهم.
وفي موازاة ذلك، جاء تعيين سمو الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً لجلالة الملك، ليحمل دلالات تتصل بمتانة البيت الهاشمي ودوره في تعزيز استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها، وذلك بعد خطاب ملكي واسع التأثير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع محددات الموقف الأردني من التحولات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومخاطر التوسع الإسرائيلي ومستقبل الأمن في المنطقة.
ومن على هذه الأرضية، تتجه الأنظار اليوم إلى خطاب العرش الذي يلقيه الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، وسط اهتمام سياسي يتجاوز حدود المشهد المحلي، ذلك أن التوقيت جاء بعد الانتخابات الإسرائيلية، وقبل الانتخابات النصفية الأمريكية، وفي ظل تحولات إقليمية ودولية تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع احتمالات المواجهة العسكرية ومسارات التسويات السياسية.
فالمشهد الإقليمي يقف بين مدّ أمني يدفع باتجاه توجيه ضربة حاسمة لإيران، وجزر دبلوماسي يراهن على إمكانية الوصول إلى تفاهمات سياسية تعيد ترتيب أوراق المنطقة. وبين هذين الاتجاهين، تتشكل معادلة دولية أكثر تعقيداً، خصوصاً مع التحركات الرامية إلى عقد لقاء ثلاثي يجمع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يحمله من دلالات على مستقبل العلاقة بين القوى الكبرى، وعلى احتمالات الانتقال إلى تفاهمات تتجاوز إدارة الأزمات نحو إعادة ترتيب النظام
الدولي.
ولعل الاحتمال الأكثر أهمية في هذا السياق يتمثل في إمكانية بلورة صفقة استراتيجية واسعة، تتناول الملف الأوكراني والملف الإيراني معاً، بحيث يصبح إنهاء الحرب في أوكرانيا مدخلاً لإعادة ترتيب العلاقات الأمريكية الروسية، بالتوازي مع تفاهمات تتصل بمستقبل إيران ودورها الإقليمي وبرنامجها النووي وأمن المنطقة. وإذا ما تلاقت هذه الملفات على طاولة واحدة، فإن العالم قد يكون أمام صيغة جديدة لتوزيع الأدوار ومناطق النفوذ، بما يعزز التعددية القطبية ويعيد رسم حدود التنافس والتعاون بين واشنطن وموسكو وبكين.
وهذا الاحتمال، وإن لم يتحول إلى اتفاق معلن، يفرض نفسه على قراءة المشهد الأردني، لأن أي تفاهم دولي حول إيران وأوكرانيا لن تبقى آثاره محصورة في حدود هذين الملفين، بل ستمتد إلى المشرق العربي والخليج، وإلى مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة، بما فيها القضية الفلسطينية وموقع الأردن في معادلات الأمن الإقليمي.
ومن هنا تأتي أهمية خطاب الملك، الذي ينتظر أن يحدد ملامح الرؤية الأردنية في التعامل مع هذه المتغيرات وأن يؤكد ثوابت السياسة الأردنية في حماية المصالح الوطنية وصيانة الأمن الإقليمي والحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ورفض أي محاولات لفرض واقع جغرافي أو سياسي جديد على حساب الحقوق الفلسطينية أو الأمن الأردني.
أما داخلياً، فإن خطاب العرش يشكل محطة مهمة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة في ظل استحقاقات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وتعزيز الحياة الحزبية والبرلمانية، وتطوير الأداء المؤسسي، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع. فالمناعة الوطنية لا تتحقق بالقدرة الأمنية وحدها، وإنما تكتمل بصلابة الاقتصاد، وعدالة الفرص، وكفاءة الإدارة، ومشاركة المواطنين في صناعة القرار وهنا نتحدث عن دولة المواطنه بكل مضامينها .
إن ما ينتظره الأردنيون والمتابعون من خطاب الملك اليوم لا يقتصر على برنامج عمل الحكومة أو أولويات الدورة البرلمانية، بل يتصل بقراءة ملكية أوسع لمرحلة تتبدل فيها التحالفات، وتتغير فيها قواعد الاشتباك، وتصبح فيها القدرة على استباق التحولات وصياغة المواقف من أهم عناصر قوة الدولة..فالأردن الذي أثبت قدرته على حماية جبهته الداخليةومواجهة الإرهاب والحفاظ على توازنه في محيط مضطرب يدرك أن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة تسويات كبرى بقدر ما قد تكون مرحلة مواجهات مفتوحة. ولذلك فإن امتلاك موقع متقدم على طاولة القرار الدولي، لا يقل أهمية عن امتلاك القدرة على حماية الحدود وصيانة الاستقرار.
فالخطاب الملكي اليوم يأتي في لحظة تتقاطع فيها "هندسة الدولة مع هندسة الإقليم" وتلتقي فيها مسؤولية حماية الداخل مع ضرورة قراءة الخارج عبر استشراف المستقبل بما يحمله من تحديات ..والأردن، بقيادته الهاشمية ووحدته الوطنية،
لا ينتظر ما ترسمه خرائط الآخرين، وإنما يعمل على تثبيت مكانته وصيانة مصالحه، مستنداً إلى شرعية دستورية مئوية ومؤسسات وطنية تاريخية وتلاحم شعبي عميق ، ليبقى الاردن بيتاً آمناً وركيزة استقرار في منطقة تتغير خرائطها السياسية والأمنية بطريقه اخرجت السياق عن مضمونه وجعلت من صندوق بيت القرار يعيد ترسيم ابعادة وهو يدخل الزمن تتسارع فية المتغيرات .