نبض البلد - بهدوء
عمر كلاب
ليس السؤال الحقيقي: لماذا يغضب الأردنيون؟ فالغضب ليس ظاهرة جديدة في المجتمعات، ولا هو دليل بحد ذاته على أزمة أو رفض,فكل مجتمع حي يحمل في داخله أسئلة وتطلعات ومطالب، وعندما تتراكم المسافة بين ما يتوقعه الناس وما يرونه في واقعهم، يظهر الغضب بوصفه لغة للتعبير.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا يبدو الغضب اليوم أكثر حضوراً؟ ولماذا أصبحت بعض الأحداث الصغيرة قادرة على إشعال نقاشات واسعة تتجاوز حجمها، وتحول التفاصيل العابرة إلى عناوين عامة؟
فالأردن تاريخياً لم يكن مجتمعاً قليل الصبر تجاه دولته، بل حافظ على علاقة خاصة مع الدولة ومؤسساتها، وتحمّل ظروفاً إقليمية واقتصادية صعبة انطلاقاً من إيمانه بأن الدولة هي الإطار الذي يحفظ الاستقرار والمعنى, لكن هذه العلاقة نفسها جعلت سقف التوقعات مرتفعاً, فكلما زاد ارتباط المواطن بدولته، زادت مطالبته لها بأن تكون قادرة على الاستجابة وحماية مصالحه.
من اللافت في السنوات الأخيرة أن الغضب لا يظهر فقط في القضايا الكبرى، بل يكشف نفسه في التفاصيل اليومية, فقد تتحول مخالفة مرورية، أو تطبيق نظام يتعلق بالاصطفاف أو عبور المشاة، أو نقاش عابر مع موظف عام إلى حالة من التوتر والانفعال تتجاوز الحدث نفسه, والمشكلة هنا ليست في الإجراء بحد ذاته، بل في المعنى الذي يحمله بعض الناس تجاه أي تدخل مؤسسي, إذ قد يُنظر أحياناً إلى تطبيق النظام باعتباره مواجهة شخصية، لا باعتباره جزءاً طبيعياً من عمل الدولة.
وفي الفضاء الإلكتروني تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة واسعة للتعبير عن الغضب، لكنها في الوقت نفسه أصبحت بيئة تساعد أحياناً على تضخيم الانفعال, فالتعليق يتحول إلى حملة، والخلاف في الرأي يتحول إلى خصومة، والنقاش حول فكرة يتحول أحياناً إلى حكم على الأشخاص.
لكن من الخطأ أيضاً تفسير الغضب باعتباره مجرد مشكلة في الثقافة العامة أو طريقة التعبير, فخلف هذا المزاج الاجتماعي أسباب معيشية حقيقية لا يمكن تجاهلها, صحيح أن المؤشرات الاقتصادية الرسمية قد تشير إلى استقرار بعض الأرقام، ومنها معدلات التضخم، لكن المواطن لا يعيش الاقتصاد من خلال الأرقام وحدها, المواطن يعيش الاقتصاد من خلال قدرته على إدارة حياته والتزاماته اليومية.
فارتفاع كلفة التعليم، وأعباء الصحة، وتكاليف النقل، وأسعار الاحتياجات الأساسية، كلها أصبحت عناصر ضغط مستمرة على الأسر, وقد يشعر المواطن بأن المشكلة ليست فقط في ارتفاع سعر سلعة هنا أو خدمة هناك، بل أن المسافة بين دخله والتزاماته أصبحت أكبر.
وهنا تظهر فجوة مهمة بين الاقتصاد الكلي والاقتصاد الاجتماعي. فقد تكون بعض المؤشرات مستقرة، لكن الإحساس بالأمان الاقتصادي لا يتشكل من المؤشرات فقط، بل من قدرة الإنسان على أن يعيش دون قلق دائم من المستقبل, وفي السياسة كما في الاقتصاد، لا يكفي أن تكون الأرقام مطمئنة؛ فثقة الناس تُبنى أيضاً على شعورهم بأن واقعهم اليومي مفهوم، وأن التحديات التي يعيشونها تجد طريقها إلى النقاش العام, فحين يشعر المواطن بأن مشكلته لا تجد مكاناً كافياً في الخطاب العام، أو أن تجربته اليومية لا تنعكس في النقاشات الرسمية، تتسع الفجوة بين لغة المؤسسات ولغة الناس.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا يغضب مجتمعها، بل الدولة التي تمتلك القدرة على فهم أسباب الغضب وتحويله إلى طاقة إصلاح, كما أن المجتمع القوي ليس المجتمع الذي لا يعترض، بل المجتمع الذي يستطيع تحويل اعتراضه إلى أفكار ومطالب واضحة, إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ارتفاع صوت الناس، بل فقدان القدرة على الاستماع المتبادل.
السؤال الأهم هو: كيف نفهم هذا الغضب؟ وما الذي يخبرنا به عن المجتمع وعن العلاقة بين المواطن والدولة؟ فالغضب الذي يجد طريقه إلى الحوار يمكن أن يكون قوة إصلاح، أما الغضب الذي لا يجد تفسيراً أو استجابة فقد يتحول إلى شعور دائم بالمسافة وفقدان الثقة, في النهاية، القضية ليست كيف ننهي الغضب، بل كيف نمنعه من التحول إلى قطيعة, فالغضب قد يكون علامة على أن المجتمع ما زال حياً، لكن تجاهله قد يجعله علامة على أزمة أعمق.