حين تنتهي الكلمات… تبدأ مسؤولية المواقف
الأنباط | هاشم أمين عربيات
في كل محطة وطنية، هناك كلمات لا ينبغي أن تمرّ علينا مروراً عابراً، وهناك رسائل لا تكمن أهميتها فيما قيل فقط، بل فيما يُفترض أن يحدث بعدها.
جاء خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني، مع افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، حاملاً في مضامينه رسائل وطنية وسياسية عميقة، تتصل بمستقبل الدولة، وصلابة الجبهة الداخلية، ومسؤولية المؤسسات، وتطلعات الأردنيين نحو حياة أكثر استقراراً وإنجازاً.
لكنني أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً بعد هذا الخطاب ليس ماذا قال الملك فحسب، وإنما: ماذا سنفعل نحن بما قاله الملك؟
فالخطاب الملكي ليس مناسبة بروتوكولية تنتهي بانتهاء الجلسة، ولا كلمات نحتفي بها ثم نعود إلى تفاصيل حياتنا السياسية المعتادة، بل هو دعوة صريحة لمراجعة الأداء، وتجديد المسؤولية، والانتقال من مرحلة الحديث عن الأولويات إلى مرحلة العمل من أجلها.
لقد اعتاد الأردنيون أن يكون الوطن هو المساحة التي تجمعهم مهما اختلفت الآراء والمواقف، وأن تبقى الدولة ومؤسساتها فوق الحسابات الضيقة، وأن يكون الاختلاف في وجهات النظر وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا سبباً في إضعاف الثقة أو تشتيت الجهود.
ومن هنا، فإن ما جرى تحت قبة مجلس النواب، عقب خطاب العرش، يستحق منا وقفة تأمل.
لسنا بصدد تقييم أشخاص، ولا الدخول في تفاصيل انتخابية أو حسابات الأرقام، فهذه أمور لها أهل اختصاصها، لكن من حق المواطن أن يقرأ المشهد السياسي، وأن يتساءل عن دلالاته.
لقد حملت انتخابات رئاسة المجلس والمكتب الدائم مفارقات لافتة؛ بدءاً من الجدل الذي رافق عملية فرز الأصوات، وصولاً إلى التباينات التي ظهرت بين الكتل النيابية، رغم ما سبق الانتخابات من تفاهمات وتوافقات على توزيع المواقع.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التفكير: كيف يمكن أن تتفق الكتل على شكل المشهد، ثم تكشف صناديق الاقتراع عن تباينات في مواقف أعضائها؟ وهل أصبح التوافق على المواقع أسهل من التوافق على البرامج والرؤى؟
لا أرى أن الاختلاف بحد ذاته مشكلة، بل إن الاختلاف المحكوم بالوعي والمسؤولية هو جوهر الحياة الديمقراطية. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه: هل نحن أمام كتل سياسية تتشكل حول برامج ومشروعات وطنية، أم أمام تفاهمات تتقاطع عند الاستحقاقات الانتخابية، ثم تتباين عندما تبدأ مسؤولية العمل؟
إن قيمة الكتل النيابية لا تقاس بعدد المقاعد التي تجمعها، ولا بالمواقع التي تصل إليها، بل بقدرتها على تقديم موقف واضح، وبرنامج يخدم الناس، ورؤية تستطيع الدفاع عنها تحت القبة وخارجها.
فالمكتب الدائم ليس مجرد مواقع ومناصب، والرئاسة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما مسؤولية في إدارة العمل البرلماني، وتوجيه الجهود نحو ما ينتظره الأردنيون.
ولعل الأهم من كل ذلك أن ندرك أن مشروع التحديث السياسي لا يُقاس بمجرد وجود الأحزاب والكتل تحت القبة، بل بما تنتجه هذه التجربة من ثقافة سياسية جديدة، تقوم على العمل الجماعي، واحترام الاختلاف، وتغليب البرامج على الأشخاص، والمصلحة العامة على الحسابات الخاصة.
إننا بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة التوافق على المواقع إلى ثقافة التوافق على الأولويات الوطنية.
فالأردن اليوم أمام استحقاقات كبيرة، والمنطقة من حولنا تعيش ظروفاً لا تحتمل التردد أو إهدار الوقت، والمواطن الذي يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية لا ينتظر منا سجالات سياسية طويلة، بقدر ما ينتظر نتائج حقيقية يشعر بها في بيته وعمله ومستقبل أبنائه.
يريد أن يرى مجلساً حاضراً في قضاياه، قريباً من همومه، قادراً على مساءلة الحكومة، ومتابعة الوعود، والدفاع عن مصالح الناس، بعيداً عن الانشغال الدائم بمن أخذ الموقع ومن خسره.
وهنا أعود إلى خطاب العرش السامي؛ فالملك يضع أمام الجميع صورة الأردن الذي نريده، دولة قوية بمؤسساتها، متماسكة بأبنائها، قادرة على مواجهة التحديات، وماضية في مسيرة التحديث والإنجاز.
لكن هذه الصورة لا تكتمل بخطاب، ولا تتحقق بتصفيق، بل تحتاج إلى إرادة سياسية، وعمل مؤسسي، وشعور حقيقي بأن المسؤولية تكليف وليست امتيازاً.
وأمام مجلس النواب العشرين فرصة لأن يجعل من هذه الدورة محطة مختلفة في علاقته بالمواطن، وأمام الكتل النيابية فرصة لأن تثبت أن وجودها يتجاوز حدود التفاهمات الانتخابية إلى الشراكة في صناعة القرار، وأمام كل نائب فرصة لأن يترك أثراً يتجاوز مدة عضويته تحت القبة.
إنني كمواطن أردني أرى أن المرحلة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى صدق المواقف، ولا تحتاج إلى سباق على المواقع بقدر ما تحتاج إلى سباق في الإنجاز.
فالوطن ليس كتلة نيابية، ولا حزباً، ولا موقعاً تحت القبة؛ الوطن هو الحكاية التي تجمعنا جميعاً، وهو الأمانة التي لا يجوز أن تتقدم عليها أي حسابات.
ماذا بعد خطاب العرش السامي؟
بعده يجب أن تبدأ مرحلة إثبات المواقف، وأن تتحول الرسائل الملكية إلى عمل، وأن تصبح ثقة المواطن حاضرة في كل قرار وموقف وتشريع.
فليس المهم فقط كيف وصلنا إلى المواقع، بل ماذا سنفعل من أجل الوطن ونحن فيها.
حفظ الله الأردن، وأدام قيادته الهاشمية، وحفظ شعبه ومؤسساته، وجعل مصلحة الوطن دائماً فوق كل اعتبار.